أسلاك وأشلاء

Sheep in Gaza, Palestine

انقطع التيار فأسدل الليل ستائره، الصمتُ يغرس نابه منقضاً على ضجيجٍ أبكم، تقوقع الجميعُ ساكناً لا تسمعُ إلا همساً، بكاءُ صغار يقطعُ أنينَ السكون، وصوتُ ارتطام رصاصة يأتيك من طرفٍ خفي، واجتمع محاقُ كانون وصقيعه، تحولتْ القرية إلى أشباح وآذان صاغية، هدأ صوت الطفل رويداً على ثدي أم التقطه جزعاً لا جوعاً، وشمعة تطعمنا نورها مانحاً أماناً نلتمسه.

أهاج الظلامُ نوماً غير مأمول، وحرك في آخرين يقظة أفئدة ناسكة، أو شهواتٍ مسعورة للقتل، التمستُ مذياعي القديم تريد أركانه أن تنقض، يقيم أوده أستيك فقد صفته فلا تخرج أحشاؤه، رحتُ أستجديه علَّه يسامرني ظلام ليّلتي، أدرته برفق، أخرسه الليل وأصمه البرد، هززته بلينٍ كي ينفضَ ما علاه من قسوة الهجر، أبى نطقاً كمن يعاقبُ حين مقدرة، تحسستُ بطاريته بغيظٍ، فصرختْ وتقيأتْ بصدأ وصديد في جوفها، انقطعت أمعاءُ الرجاء في صديق أصارع معه أبابيل ليلة عاصفة، تأففت وحدتي وتضاعف خوفي من أزيز الرصاص، بحثتُ مرغماً عن سِنةٍ أو نومٍ، تهتُ في أغطية تشبه كفن ميتٍ في إحكامها، اتخذتُ الرجاء وسادة علَّ الجفنَ يثاقل، أو ينقضُّ عليه حلمٌ ضلَّ صاحبه، لكن صوت الريح يعلو ويعبث بحباتِ رمالٍ يتيمةٍ تطرق نافذتي، تبحثُ عن ملاذٍ آمن، ...اقرأ المزيد

اكتب لي

The Treasury, Petra, Jordan

قالت اكتب … اكتب عن مدينتك، اكتب لي عن الناس، عن النساء، نساء بلدك جميلات، فهل من سبيل للمنافسة؟ قالت.
حاولت أن أرد عليها، فوضعت يدها على فمي، وأشاحت بنظرها إلى الخزنة الكبيرة، التي كنّا نجلس على مصطبة خشبية أمامها في البتراء، تأملتها بصمت، وقالت: اكتب عن المكان، عن لهب الشموع وتناغمه مع صوت ناي البدوي المنلفت من اقصى الخزنة. اكتب عن تلك النبتة، التي تنط من بين الصخور في أعلى نقطة في واجهة الخزنة، لأنها الشاهدة الوحيدة على أول امتعاض لي، وأنت تسرق قبلةً مني. 
 اكتب على راحة يدي، بقلم كحلتي الأسود. قالت هذا، وهي تمد كفها لي، وراحت بيدها الأخرى تبحث في حقيبتها الجلدية عن الكحل. كانت تخجل وهي تخبرني عن جهاز سمعها، الذي تحاول أن تخفيه تحت خصلات شعرها المنسدلة على طرفي أذنيها الرقيقتين. كانت تذوب في الخجل.
وهي تردد: اكتب لي… 
ورحت أكتبُ على كفها، وأجيبُ على أسئلتها. بينما كانت تقرأ رسم الكلمات على شفتي عند لفظها، حتى ظهر القمر بوجهه الكبير، من خلف جبل، كان يلقي بظلاله على الفسحة الأمامية للخزنة، حيث تنتشر الشموع. وبدا الأمر غريبا، عندما شاهدت كلماتي تتلاشى بين خطوط ...اقرأ المزيد

جبَّانة الذكريات

El Shatby Historic Cemeteries, Alexandria, Egypt

جولة. المشي يريح. ومهبط الوحي الذي نسجتُ فيه أطيب أشعاري يرحِّب بسَحْبِ حواجز أتراح الحياة عن روحي. جولة. المشي رفيقٌ وطبيب. رمال الموقع الأثري تحمل في تلبُّدِها آثارًا من مطرٍ قريب. الدائرة التي قوامها أعمدة بيضاء متباينة الأطوال على كلٍّ منها أرقام كُتبت بطلاء أسود مشوِّه (24 – 21 – 125 -…) تُحدِق بتمثالٍ (يحمل رقم 129!) يرتكز على قاعدةٍ حجريةٍ مربَّعة. تمثال لكِيانين بشريين متعانقين يرتديان الهيماتيون، وعناقهما حزين، يبثُّ الأسى والقنوط، وتملأ المساحة ما بين التمثال والأعمدة نباتات خرزية الأوراق متشابكة، لا ترتفع عن الأرض إلَّا سنتيمترات قليلة، لونها أخضر غامق. جولة. المشي دواءٌ للمهموم. الجبَّانة تُطلُّ عليَّ بعيونها التسع، وذراعيها اللتين في باطن كلٍّ منهما تسعة أعينٍ أُخَر. استدرتُ. مشيتُ. عينٌ منحوتة تُشبه بئرًا أو إناءً للزهور. نحت مستدير يُشبه قمَّة عمود. بل هو قمَّة عمود، ولكن الزمن جار عليه! أبو الهول مفصول الرأس. أعشق كل شبرٍ من هذه المقابر العبقرية.
توغلتُ في المكان المفعم بأصالة القرون حتى انتهيتُ إلى أجمل أثرين بمقابر الشاطبي الأثرية. منضدة رخامية ثُمانيَّة الأضلاع، في لون الرباب المحلِّق في الأفق الأزرق الذي يمسُّ البحر الذي بيني وبينه شارع ...اقرأ المزيد

أصداء الحنين

Meniet El Morshed, Egypt

كلما وصلت في نزهتي اليومية إلى عزبة الملح ، القريبة من قريتي منية المرشد، تتوالى دقات قلبي كأنها إيقاع لحن جنائزي .
في مدخلها لازالت أطلال مملكة الحاج محمد عطية ، تحكى قصتها الجميلة ، التي استغرقت ما يربو عن نصف قرن .
لم يتبق من الدكان والظلة سوى أخشاب وأحجار ، توشك أن تختفي في جوف العدم .
هنا كانت محطة للتسوق والراحة من وهج الشمس وقر الشتاء ، يجلس بين روادها الحاج محمد مرتديا ثوبه الأبيض الذي لا يصيبه أدنى أذى ، رغم تعامله مع البقالة والعطارة والخضروات ، ويعتمر طاقية من نفس القماش.
يجذب من قلبه الطيب ابتسامة واسعة مع مولد الصباح ، يظل محتفظا بها ليوزعها على الجميع .
يأتي الرجال من العزب المتناثرة ، فتدور أحاديث حميمة عن السياسة والزراعة والطرائف والمشكلات والأشواق والمعجزات والأوجاع والفشل والموت .
خارج المحل كانت تقف- بصبر- ثلاجة بدائية من الخشب مكتوب عليها : اشرب كوكاكولا ، ممتلئة بالزجاجات المغطاة بالثلج .
عندما يندفع الصهد إلى أعلى حلوقهم ، يتناولون المفتاح الحديدي المعلق بخيط في الثلاجة .
يرتفع صوت فتح الزجاجة كالطلقة ، قبل أن تفور وتتبخر ...اقرأ المزيد

تعليق على قصة “عند بائعة الشاي” بقلم ميلاغروس أوريغي نافاريتي

Mare Nostrum

سأقوم بتحليل قصة “عند بائعة الشاي” من منظور تحليل نفسي، لأن هذا هو مجال تخصصي. أعتقد بأن هذه القصة تتناول مسألة مدى قدرتنا كأفراد على تحدي المألوف للبقاء والمُضي قُدماً. أعتقد بأن هذا موضوع مهم لأن كبح جماح الفردية يمكن أن يُثير مشاعر الفقدان والتي بدورها يمكن أن تتسبب بمُعاناة نفسية.

أعتقد بأن هذه القصة ثورية من ناحية أنها تعرض اندفاع الإنسان الذي يحثُنا على مُخالفة الأعراف المُجتمعية التي غرسناها في عقولنا. لقد فهمت المكان الذي تجلس فيه الشخصيتان الرئيسيتان لاحتساء الشاي على أنه يرمز لمستنقع حزن قدرنا أن نغرق فيه تدريجياً عندما شعورنا بالهجران.

يدعونا هذا الكاتب السوداني للإصغاء للحن الخفي الذي تعزفه قصصنا، يدعونا لتحمل المسؤولية المُلقاة على عاتقنا تجاه ما سيؤول إليه مستقبلنا. إن الشعور بالذنب لعدم القيام بما هو كاف لتغيير مسار حياتنا ولنكون في مكان آخر لهو الذي يدفع شخصيتي القصة للنسيان. أعتقد أن السبيل الوحيد لكسر لعنة نبوءة تحقيق الذات التي تقود المرء لسرد قصته مرات ومرات بدون توقف هو أن يُدرك بأنه مجروح وأن يعثر على كلمات ينفث احباطه من خلالها.

أليست القُدرة على رؤية ما يعتبر جميلاً ومُشرقاً فقط آلية دفاع ذاتية؟ ألا تُشير ...اقرأ المزيد

ذهاب إياب

Umm al-Qaywayn, UAE

أول يوم تشرق فيه الشمس علي في الإمارات.. لم يضيع أخي كمال وقتا، أول ما أخذني إلى الشارقة وهناك اكتشفت أن له علاقات واسعة وحميمة في كل الإمارات تقريبا، وذلك لعمله المهم في جريدة الخليج..
الشارقة فتاة خجولة حيية تتسم بالوقار والجمال ترتدي ثوب العلم والثقافة.. بينما دبي تضج بالحرية والحياة لموقعها التجاري المهم، الطريق إلى أم القيوين وعر محفوف بالمخاطر، وأول هذه المخاطر “الهجن” التي ترعى في الخلاء بلا صاحب ولا راع.
بدأت سحابة من اليأس تجتاحني بددها أخي كمال:
أ تيأس من أول يوم..
عندما وصلنا إلى البيت أخبرتنا سهام زوجته أنه تم تعييني في بنك أم القيوين الوطني..
فجأة تحول كل شيء إلى الاتجاه المعاكس.. اختفاء مستندات مهمة من درج مكتبي، إلغاء المدير تعاقدي، وترحيلي إلى مصر..
انتبهت على صوت بجانبي في طائرة العودة، كأنه يحدثني:
مقدر ومكتوب..
التفت لأجد رجلا عجوزا له لحية بيضاء خفيفة.. سألته بصوت خافت:
أتحدثني..
هز رأسه دون أن ينظر إلي:
بل أحدث ...اقرأ المزيد

التعليق الأدبي على قصة “عند بائعة الشاي”

Nel mezzo del cammin

بعد قراءة القصص المتأهلة للمرحلة النهائية، جلست لأكتب انطباعاتي الأولى عنها لكي أقرر أي من هذه القصص أثرت عليّ أكثر. وعندما انتهيت كان لدي شعور بأنني قد تخطيت إحدى القصص ولكن بعد قراءة مراجعاتي أدركت بأن هذا الشعور مردهُ هو أنني قد ذكرت إحدى القصص بشكل عابر في البداية وكنت قد ذكرت بأنني لم أستوعب خلاصتها. لقد كان اسم هذه القصة “عند بائعة الشاي.” إدراكي لتلك الحقيقة جعلني أشعر بأن القصة جعلتني أحس بنفس شعور الشخصيتين الرئيسيتين في القصة. فهما يظهران في القصة وهما جالسين في ساحة عامة ويتبادلان كلمات قليلة لتبادل الأفكار. لا يبدو عليهما بأن بإمكانهما فهم عالمي بعضهما البعض من خلال الحديث الذي يتبادلانه ولكن يبدو بأنهما قادران على التواصل مع بعضهما أو، على الأقل، إثارة انطباعات غامضة وعابرة لدى الشخص الآخر عما يريدان التعبير عنه وهو شيء يمكن أن نصفه بأنه يمثل بصمةً أو لحناً أو الشعور بأننا نسينا شئياً ما.

هذا ما أعادني إلى النص، الشعور بأنني قد نسيته. وبالتالي قرأت القصة مُجدداً يحدوني الفضول ذاته الذي يدفعنا لكتابة القصص؛ لنعبر بالكلمات عما نتصوره في عقولنا من أفكار ...اقرأ المزيد

الطلقة ما قبل الأخيرة

Aleppo, Syria

كان محتمياً بما تبقى من ركام المنزل , عيناه تحدقان في المدى المرسوم أمامه تترقبان أي حركة تثير الدهشة كانتا كلما لاح شيء في هذا الأفق تزداد أحداقه لمعاناً , يتربص الوقت منتظراً اللحظة المناسبة مثل الصقر تماماً عندما يريد الصيد لا يشغله شاغل عن فريسته , يحبس أنفاسه ويرصد عدد الثواني بين الشهيق والزفير , يستطيع أن يرسم سداً عاتياً من التركيز أمام سيل الأفكار التي ترتطم بجدار مخيلته بين الفينة و الأخرى , في هكذا لحظات يستطيع أن يشتلع قلبه من بين أضلاعه فلا يكاد نبضه يُسمع وحتى تلك الخفقات التي تبقيه على قيد الحياة لا تسطيع أن تمنحه البقاء على قيد الإنسانية , لم يستطع أن يبعد فكرة الموت عن مخيلته فهي الوحيدة التي تنجح مراراً وتكراراً بأن تخترق جدار التركيز الذي بناه , قي تلك اللحظات يرتسم في ذهنه مشهد النهاية هل هي من رصاصة طائشة متهورة أو من شظايا قذيفة ,كانت هذه المشاهد تداهم مخيلته تجعله رهينة كل لحظة التي يعتبرها هي الأخيرة .

ماهي إلا بضع ثواني يتسلل إلى مسمعه صوت هدير يقترب شيئاً فشيئاً , يبتلع لعابه بكثير من الحذر ينصت إلى صوت اللعاب ...اقرأ المزيد

ترشيح نص الشاون 1936 في مسابقة ألفي ليلة وصحوة

في “الشاون 1936” نجح الكاتب بصياغة قصة تحكي أكثر مما سُرد في النص. إنها تحكي المدن العتيقة، وتحكي الإرث المعماري الجميل، تحكي الجبل وقوة أجيال مضت رصفوا بيوتهم على حواف الجبال، وتحكي الجوع والفقر والبؤس وحياة التشرد لأجيال تبعتهم. تحكي الحروب، الاتجار بالبشر، استيراد الجيوش، واستغلال حاجة البؤساء وتفصيل الأحلام الزائفة تمامًا على مقاساتهم لبلوغ أهداف الساسة.

لقد وُفق الكاتب في سرد القصة على لسان راوٍ عليم. الراوي الذي، بخفة ودون تشتيت، يتنقل بين سرده لما يحدث خلال هرب البطل، وبين الولوج إلى مخيلة البطل وسرد أفكاره. لم يركز الكاتب على سبب مطاردة البطل من قبل شخصين، لم يركز على هويتهما ولا على هويته، بل جعل الحدث والمونولوج الحاصل في عقل البطل يوضحان أسباب كل شيء، ويرسمان هويته وهوية مطارديه. فالبطل شخص فقير وبائس، يقتات على كل ما توفره له حيلته، فربما كان هربًا من محصلي دين، أو ربما بائعي طعام قام بسرقة قوت يومه منهما، فهذه هي حياته هو المعتاد على الهرب لدرجة أنه يفكر خلال جريه بترف ويحلل الأمور بمنطقية لا يمكن أن تحصل إلا في عقل شخص يجلس متأملاً لا هاربًا، لكن بطلنا معتاد على الهرب لدرجة ...اقرأ المزيد

كِسْرةٌ ودينارٌ

بسم الله الرحمن الرحيم

Amman, Jordan

خرجَ من المخبزِ حاملًا في يده كيس خُبزٍ، بيته بعيد إلى حدٍّ ما، لم يبقَ في جيبه سوى دينارٍ، كان بإمكانه أن يوقِفَ سيّارة أجرة أو (سرفيسًا) من السرافيس التي يعجّ بها أحد الأحياء المكتظّة في شرقيّ العاصمة الأردنية عمّان، فينقد سائقه ذلك الدينار، ويستريح من عناء المشي؛ وكأنّ الشّرْق دائمًا فيه سمة الانتكاس والارتكاس في كلّ شيْء.
لكنّ إغواء الشّمس الدافئة بعدَ أيّام من الصقيع والبرد جعله ينتعل الأرض ويمشي، مرّ ببيته القديم الذي كان أحدَ أفراد أسرته المكوّنة من أربعة عشر فرْدًا. جالت بخاطره صُوَرٌ شاحبة لذكرياتٍ عفّى عليها الزمان، كأنها بقايا آثارٍ لسُحُبٍ خلّفها مرور طائرة في جوّ السماء!، يتذكّر تجمّعَ أسرته حول وجبة الغداء بعدَ كلّ صلاة جمعة، كانت الجمعة تجمعهم، ثمّ بعد ذلك يتفرّقون، كلٌّ إلى همومه!
يتابع سيره، وأشعّة الشّمس تداعب ظهره، كأنّها تدلّكه، فيشعر بالانتشاء.
هنا، بيتُ العمّ حمدان (أبو حسن) القديمُ، كان بيتًا زاخرًا بالقوّة والعطاء والبأس، كان العمّ حمدان فيما خلا من السنين رَجُلًا يُعْتدُّ به، صاحبَ كلمة مسموعة، وجيهًا في أسرته وأهل بيته، ولكنّ الأشياء لا تثبت على حالها، أصيب بمرضٍ عُضالٍ أقعده طريح فراشه ووحدته، وله ابنٌ في ...اقرأ المزيد