قالت: شكراً

Nablus, West Bank

قالت: شكراً.

جبلٌ عال معتم ومهجور قبالة الجبل المأهول بالناس والضحكات والصخب، في طريق لم يعبد شُق لمساعدة أهل المدينة العارفين على أن يتجاوزوا أزمة الطرقات، لقلة المارقين فيه يعوي الخواء. 
من هناك كانت المدينة تعج بالأضواء المرمية كجثة بيضاء حيناً ما بين عيبال وجرزيم وحيناً كعرس مزركش يمر عبر جنازة، أما الغيوم فتقمصت لون الطرقات والشهداء ودموع الامهات الثقيلة، حمراء بلون مثلث العلم الذي ابتلع زيتوننا وسلامنا، قريبة حد الهيام، عصية حد الملام. 
قبل الوقت بسنين كنت تلميذاً للصمت والاغتراب، باحثاً عن ملجئ اخبئ فيه وحدتي؛ أسير أميالاً صعوداً، أبلع البرد لارمق الغيمات الحمراوات هرباً من مدينة تحترف الحلوى والقسوة، تضيء السماء والنفوس ملؤها الظلام.

قالت: شكراً.

يومها اشتعلت أنوار الدنيا بعيني كأقصى الفرح؛ كالبكاء. 
كانت طالبة في السنة الأخيرة بذات الجامعة التي تعلمتُ فيها أن امضغ عقلي جيداً وأن ارثى لكل إرث، تملك ذات اليأس من مدينتنا الحمراء الطافحة بالعيون، ولها شغف العشق.
وكما العَلم ارتكنا الى الجانب المعتم في ذاك الطريق المقفر فوق الجبل، نبحثُ عن مكانٍ آمانٍ للحب.

تبسمتُ حباً؛ إن الامكان لا تقسو علينا إن نحن اهدرنا وحدتنا فيها ستبادلنا ...اقرأ المزيد

أسلاك وأشلاء

Sheep in Gaza, Palestine

انقطع التيار فأسدل الليل ستائره، الصمتُ يغرس نابه منقضاً على ضجيجٍ أبكم، تقوقع الجميعُ ساكناً لا تسمعُ إلا همساً، بكاءُ صغار يقطعُ أنينَ السكون، وصوتُ ارتطام رصاصة يأتيك من طرفٍ خفي، واجتمع محاقُ كانون وصقيعه، تحولتْ القرية إلى أشباح وآذان صاغية، هدأ صوت الطفل رويداً على ثدي أم التقطه جزعاً لا جوعاً، وشمعة تطعمنا نورها مانحاً أماناً نلتمسه.

أهاج الظلامُ نوماً غير مأمول، وحرك في آخرين يقظة أفئدة ناسكة، أو شهواتٍ مسعورة للقتل، التمستُ مذياعي القديم تريد أركانه أن تنقض، يقيم أوده أستيك فقد صفته فلا تخرج أحشاؤه، رحتُ أستجديه علَّه يسامرني ظلام ليّلتي، أدرته برفق، أخرسه الليل وأصمه البرد، هززته بلينٍ كي ينفضَ ما علاه من قسوة الهجر، أبى نطقاً كمن يعاقبُ حين مقدرة، تحسستُ بطاريته بغيظٍ، فصرختْ وتقيأتْ بصدأ وصديد في جوفها، انقطعت أمعاءُ الرجاء في صديق أصارع معه أبابيل ليلة عاصفة، تأففت وحدتي وتضاعف خوفي من أزيز الرصاص، بحثتُ مرغماً عن سِنةٍ أو نومٍ، تهتُ في أغطية تشبه كفن ميتٍ في إحكامها، اتخذتُ الرجاء وسادة علَّ الجفنَ يثاقل، أو ينقضُّ عليه حلمٌ ...اقرأ المزيد

حيُّ الشُّجَاعِيَّةِ

Family running away in Gaza

صباح الخير أيتها الشهداء، نهاركَ جميل بنَا أيها الوطن ….

قبل أن أقول كل شيء لآلاف البشر الذين يشاهدونني على شاشات التلفاز، علي أن أستجمع كل قطع الذكريات المتشظية هناك، و أن أحفر لها قبرا عاشرا و أقرأ الفاتحة على تلك الأشلاء التي لم تجد قبرا يسعها، ستظل تسافر معي و تطلب الثأر، علي أن أمشي على رؤوس أصابعي، فلعل قلبا صغيرا انتثر هنا فوق هذا الرصيف، علي أن أحني رأسي قليلا و أتجنب النبش العنيف، فهذه أنامل “مريم” بين هذا الركام الرمادي، هذه ألعاب ” ورد” المخزوقة، و التي يخرج الصوف من منخارها، و قليل من الدم، هذه أساور ” نهلة” التي ترج بها سكون الليل، هذه كتب ” الجليلة”، أقلامها، دفاترها… هذه صورة العائلة. و الفانوس الذهبي الذي اشترته ” راما” لتستقبل به رمضان، حين رفعت الآلة الصفراء تلك سقف البيت الذي انهار كلية فاحت رائحة العائلة كلها دفعة واحدة، كدت أسقط، ارتجفت ساقاي و ما عادت تحملانني أكثر من ذلك، تركت كل شيء و عدت أجري و أسقط و أتعثر بين ...اقرأ المزيد

إدنو من القمر

Acre, Israel

في سَنَةِ 1948 بَدَأًتْ قِصَةُ حزني وشتاتي، بَينما كنتُ أجلسُ أنا وأطفالي أمامَ المِدفئةِ نحتسي الشايَّ لنشعُرَ بالدفءِ، دقَّ أحدٌ البابَ بقوةٍ لدرجةِ أنني ظَنَنتُ أنَّهُ سَيُكْسَرْ فَدَخَلَتْ زوجتي وأولادي واخْتَبَؤُوا ثمَّ فتَحتُ البابَ فإذا همْ جماعةٌ من الجيشِ الصهيونيّ وقبلَ أنْ أفتح فمي لأسئلهم عن مبتغاهمْ أمرني أحدُ الجنودِ المتكلمينَ بالعربيةِ بإخلاءِ المنزل، حينها كادَ نبضُ قلبي أنْ يَقفْ فماذا سأقولُ لأولادي؟ إلى أينَ سنذهب؟
أخبرتُ زوجَتي بالأمرْ فبَدَأتْ الدموعُ تُذرَفْ …والشيءُ الوحيدُ الذي استطعتُ فِعْلَهُ في تلكَ اللحظةِ أنْ أطبطب على كَتفها وأقولَ لها صبرَاً يا أمَّ جهادْ فبإذنِ اللهِ نحنُ عائِدون.
لمْ يكُنْ هُناكَ مُتسَعٌ منَ الوقتِ لنأخذَ كلَّ حاجاتِنا فأخذنا الأشياءَ الضَّروريةَ فقطْ، وسألني ابني جهاد -الذي يبلغ من العمر سبع سنوات- أبي هلْ آخذُ كلَّ ملابسي؟
فرَدَدْتُ عَلَيْهِ: لا يا بنيْ، فَكُلُّها يومَينِ وسنرجعُ بإذنِ الله.
خرجنا منَ البيّتِ في الظلامِ الحالكْ ولمْ يكنْ هناكَ مكانٌ نأويْ إليهْ فبتنا في العراءْ ليّلَتَها وفي الصّباح هاجرنا إلى سوريا بصعوبةٍ بعدَ ما صارَعنا الثُّلوج وأصيبَ أولادي بالمَرَضِ نتيجةَ البردِ الشديدْ، ثُمَّ استقرَّيْنا في مخيمِ اليرموكِ، وسكنتُ أنا ...اقرأ المزيد

الزيتونة والغريب

image

وضع يديه تحت رأسه وهو ينظر إلى السقف الذي بدأ ينقلعُ طلاؤه، بعد أن ألقى بجسده المنهك على فراش بارد زاده تعبا.. كان في عينيه بريق من حنين، أو لعله حزن أثقل كاهله، فغاب ببصره بعيدا حيث كان صغيراً..استيقظ باكرا ذلك الصباح، فشعر بنغصة في قلبه لكنه لم يأبه لها، خرج إلى الحي، ودَّ لو يلعب مع أصدقائه لكن شيئا ما منع حركة قدميه، نظر إليهم طويلا وهم يركضون ويضحكون، فمر بجانبهم وسار بخطوات ثقيلة نحو النهر الذي طالما حدثه بأحلامه.. للحظة شعر بدمعة تنزل من عينيه ساخنة على خده البارد الذي امتزج لونه بالحمرة والزرقة من تأثير الرياح التي تهب شرقا..جلس واضعا رأسه بين ركبتيه وهو لا يدري لحزنه سببا .. هذه المرة لم ينظر في مياه النهر التي تشق طريقها نحو البحر الواسع، وهو لم يتأمل في سرب الطيور المهاجرة من شجرة لأخرى، ولم يتساءل كعادته من أين يأتي الحليب الذي تحلبه نساء قريته من الأبقار..! لم يفكر في أيٍّ من هذا، بل لم يكن يفكر في شيء..شعر فجأة بصوت في داخله يقول له: “ارجع إلى المنزل”، استجاب في الحال وراح ...اقرأ المزيد