ملاك

“قصتي لعلها حدثت, أو لعلها لم تحدث, ولكن أحداثها انبثقت من أوجاع خيالي وأنا أرقب بعين دامعة أخبار المجزرة المروعة التي هزت قرية المبعوجة. القرية التي أذهلتني بروعة جمالها يوم مررت فيها خلال زيارتي إلى سوريا.”

جلست بهدوء أهدهد ملاكي الصغيرة التي أتمت أعوامها الثلاثة قبل أيام قليلة. صوت بكائها المرتجف بدأ يهدأ على عكس أصوات الصراخ أسفل الشارع. دوى إنفجار آخر ارتج له البيت بشدة, وعلا معه بكاء صغيرتي من جديد. مسحت بيدي على شعرها الحريري وأنا أغني لها بصوت خفيض. عيناها الواسعتين ترتجفان وسط لآلئ الدموع المتساقط منهما وهي تشد بيدها الصغيرة على أصبعي طالبة منه الأمان. لقد بدأ الهجوم في عتمة الليل. دوي القذائف قذفني من سريري لأسقط على ركبتي أمام سرير مسكينتي الصغيرة.

لطالما كان بكاؤها يقطع نياط قلبي. لا أزال أذكر يوم ولادتها كيف حملتها بيدين مرتجفتين. يومها قالت لي أمي أن علي أن أؤذن في أذنها اليمنى, ولكن قلبي لم يكن ليتحمل صوت بكاؤها الناعم. مع آخر عبارات الأذان التي بالكاد نطقت بها كانت دموعي تنهمر كالسيل على خدي. ربما كنت قاسي الملامح بعد سنين صقلت ...اقرأ المزيد

صديقي العزيز: الرفيق شمشون

Man leaned over green container, Directorate of Tourism, Latakia, Siria.jpg

متى بدأت قصتي مع شمشون؟ لا أستطيع التحديد على وجه الدقة, فقصتي معه مرتبطة بشباك غرفتي الراسخ في مكانه منذ ولادتي, والذي لطالما كان مكاني المفضّل للشرود. أقف خلفه بينما أشرب كأس الحليب في الصباح الباكر, وأتسلّى بمراقبة العابرين, أولئك المبكرون على الحياة والذين هم غالباً طلاب وموظفون يمشون بخطوات ثقيلة في الشوارع, التي لا يزاحمهم عليها, إلّاعمال النظافة و(النبيشة) الذين يأتون على دراجاتهم الهوائية لجمع الفوارغ البلاستيكية من حاويات القمامة. في المشهد ذاته يعبر أحياناً الرياضيون بخطواتهم الحيوية, متسببين بالإخلال بتوازن المشهد الصباحي المنذور للكادحين. وخلف النافذة ذاتها لطالما حلا لي الوقوف بينما أسرّح شعري قبل الخروج من البيت وكذلك وأنا أتحدث على هاتفي الخليوي أو أشرب القهوة عصراً.

في لحظة ما من طقس النافذة اليومي تسلّل شمشون إلى يومياتي وأصبح صديقي. رغم أن مفردة صداقة ليست ملائمة تماما ً لأننا لم نتبادل الحديث يوماً كصديقين, لأنّ شمشون لم يكن من ذلك النوع الذي يحبّ الكلام. اكتشفت ذلك يوم قرّرت ...اقرأ المزيد

مرآة المدينة

Seven Fountains Roundabout Manbij, Syria

مدرس التاريخ قال لنا إن الساحات كانت رمزا للموت، وأخي الشاعر يقول “تعرف المدن من ساحاتها”. أول مرة شاهدت فيها شابا ميتا كانت داخل محيط ساحة السبع بحرات، وبجانبه دراجته النارية نائمة على جنبها الأيمن تذكرت حينها مدرس التاريخ، وعرفت أن البلدية لم تضع شاخصة مرورية تدل على الساحة.

تسميتها تدل على سبع نوافير فيها مملوءة بالماء، أحيانا تكون معطلة، وهي جزء من محاولات محاكاة مدينتنا لدمشق وحلب حيث توجد في كل منهما ساحة تحمل نفس الاسم، ولكن تنقصها عنهما الرمزية المالية والأرستقراطية فلا يوجد على أطرافها ولا في المدينة كلها فرع لمصرف حكومي أو خاص.

في الصيف يهرب الناس من سجون الشقق الاسمنتية الضيقة إلى “السبع بحرات”، إلا أنها ليست مكانا مناسبا للقاءات العشاق فأهل مدينتنا محافظون، ومن ابتلي منهم بالعشق عليهم أن يستتر خلف الأبواب والنوافذ المغلقة بإحكام، أنا مثلا أقصى ما استطعت فعله هناك هو تبادل الصور والأغاني، وأخذت قبلة “افتراضية” من إحدى الفتيات الظاهرات عندي في قائمة “البلوتوث”، والتي ربما تكون إحداهن هي ذلك الرجل الأربعيني البدين الذي يسحب نفس “النارجيلة”، ويضحك بصوت عال.

تخلفت ...اقرأ المزيد

زهرة التفاح

Jezmatiyeh souq, Damascus, Syria

السرّ الذي لم يكتشفه سوى الأطباء، هو أني مذ كنت يافعاً لم أكن أشعر بما يشعر به الرجال من ميل نحو النساء، فأصبحت أقتني كتب علم النفس، وأنكبّ على قراءتها برويّة وصبر، ثم بدأت أدمنُ مطالعة كتب الطب التي تتعلق بالفحولة، وأخيرًا ترددت على العيادات المختصة لكن بعد فوات الأوان.

نشأتُ في(الجزماتية)، من أسواق حي الميدان أحد أحياء دمشق القديمة، ومن نافذتي أستطيع رؤية الشارع وهو يعج بمطاعم المأكولات الشامية الشهيرة (كمحل أبي الخير) وبمحلات الحلويات الدمشقية الفاخرة (كجاره أبي عرب).

مضى من عمري نصف قرن، واليوم كالعادة لا أفكر في الاحتفال بعيد مولدي، لكنّي لا يمكن أن أنسى المرّة اليتيمة التي احتفلت فيها بهذه المناسبة:

منذ خمسة عشر عاماً جلبَتْ معها علبة حلوى(من محل أبي عرب)وغصنًا صغيرًا يحمل زهرة تفاح كان أبو الخير يزين به واجهة المحل.

إنها حلا أخت صديقي حازم؛ كانت آنذاك طالبة في كلية الطب، ضليعة باللغة الفرنسية لكن أخاها حازمًا طلب مني أن أدرّسها اللغة الانكليزية لتتمكن من الاطلاع على المراجع العلمية، وهكذا أصبح منزلي مركزاً لتعليم اللغات فيه مدرّس واحد وطالبة وحيدة !..كنا في أوقات الراحة ...اقرأ المزيد

الطلقة ما قبل الأخيرة

Aleppo, Syria

كان محتمياً بما تبقى من ركام المنزل , عيناه تحدقان في المدى المرسوم أمامه تترقبان أي حركة تثير الدهشة كانتا كلما لاح شيء في هذا الأفق تزداد أحداقه لمعاناً , يتربص الوقت منتظراً اللحظة المناسبة مثل الصقر تماماً عندما يريد الصيد لا يشغله شاغل عن فريسته , يحبس أنفاسه ويرصد عدد الثواني بين الشهيق والزفير , يستطيع أن يرسم سداً عاتياً من التركيز أمام سيل الأفكار التي ترتطم بجدار مخيلته بين الفينة و الأخرى , في هكذا لحظات يستطيع أن يشتلع قلبه من بين أضلاعه فلا يكاد نبضه يُسمع وحتى تلك الخفقات التي تبقيه على قيد الحياة لا تسطيع أن تمنحه البقاء على قيد الإنسانية , لم يستطع أن يبعد فكرة الموت عن مخيلته فهي الوحيدة التي تنجح مراراً وتكراراً بأن تخترق جدار التركيز الذي بناه , قي تلك اللحظات يرتسم في ذهنه مشهد النهاية هل هي من رصاصة طائشة متهورة أو من شظايا قذيفة ,كانت هذه المشاهد تداهم مخيلته تجعله رهينة كل لحظة التي يعتبرها هي الأخيرة .

ماهي إلا بضع ثواني يتسلل إلى ...اقرأ المزيد

نِهَايَةُ مدينة.. نِهَايَةُ سَعْدَة

وصل إلى المرحلة النهائية للمسابقة الأدبية “ألفا ليلة وصحوة”

إدلب التي كانت عروس التين والزيتون في الشمال السوري، باتت أَرضُها دَوَّامةَ فوضى، وَسَماؤُها مظلَّةَ طائراتٍ قاتلة.

والآن.. كما يَنْسَلُّ نورٌ خائِفٌ من فُرجةِ البابِ إلى غرفةٍ ظلماء، يَنْسَلُّ من نفسي أملٌ واهنٌ ألَّا تكون نهاية مدينتي الخضراء كنهاية سَعْدَة؛ مؤلمة، غامضة.

سَعْدَة امرأة شارفت على الستين، لا يعرف أحد أصلها، لكنها كانت نقطة علاَّم في خارطة الناس في مدينتنا إدلب.

وجهها متعدد التضاريس، كأنه القمر كما يُرى بالمنظار الفلكي.

تغطي رأسها بخرقة كالحة، من أطرافها تطل خصلات شعرها الأشيب الذي لم يعرف المشط يوماً.

كانت تعتني بما يزيد على الخمسين قطاً، وهي في الوقت ذاته لا تملك إلا خربة صغيرة.

عندما تحصل على بعض المال كانت تدسه في صدرها، ولا أحد يعلم بعد ذلك أين تذهب به، لكن التخمينات كثرت عندما هدمت جرَّافة البلدية خربتها من أجل إنشاء بناء جديد، يومها كانت سَعْدَة غائبة في إحدى جولاتها، تجمهر الناس لمراقبة المشهد المؤلم لقططها المذعورة، هجمت الجرَّافة على الخربة كما يهجم النمر على فريسته، تحطمت الجدران الواهنة بضربة واحدة، تناثرت النقود، ...اقرأ المزيد

ساحة الزلزال

وصل إلى المرحلة النهائية للمسابقة الأدبية “ألفا ليلة وصحوة”

تسكننا الأمكنة وتعشش في روحنا، نسجل فيها ذكرياتنا وتسجلنا كمشاهدي السينما على كوة قطع التذاكر، وعندما نرحل عنها، نرحل تاركين نتفاً من روحنا هنا وهناك. يمر الزمان و يحدث أن نعود ذات يوم لنراها سجلت ذكريات أخرى لعابرين آخرين.

نظرت إلى الساحة وقلت لنفسي الحمد لله أن جدي وجدتي رحلا قبل هذه الحرب الملعونة. الفوضى والحجارة المهدمة يملآن المكان….كل ما في الساحة رمادي اللون، حتى أخضرها رمادي، غطى الأسود بقايا الجدران. غص قلبي عندما تذكرت ما كتب صديقي على الجدار بخط عريض ” لو كان ذنبي أن حبك سيدي، فكل ليالي العاشقين ذنوب” لتبقى شاهداً على حبه لبنت الجيران.

في تلك الساحة التي تقع على مرمى عيني بيت جدي تماما. جدي وجدتي على المقعد الخشبي الطويل المغطى ببساط ملون منسوج من أقمشة بقايا ثياب العائلة. (لهذا البساط رائحة الأولاد). قالت جدتي وهي تروي أصص الحبق -الذي تصعد رائحته إلى رأسي كلما ذكرتها-.

يراقبني جدي أنظر لعناقيد العنب المتدلية فوق رأسي فيقول: (كل عنقود يصل إليه رأسك هو لك) ...اقرأ المزيد

الرحي

Kobani Syria

اطحني الحَبْ أیتھا الرَحَي
اطحني أیتھا الرَحَي آلامنا الجسیمة
لسنا واحداً أو اثنین
نحن آلاف الألوف، ولكن..
في أربعة أماكن منقسمون”
******
في بُقعةٍ أحكم علیھا المَوت قبضتھ وحاصرتھا رائِحتَھ من كل ناحیة كانت الحَسْنَاء
الكُردِیة تتوسد تَلَّة صغیرة ضمن مَھام وحدَتھا حراستھا والذود عنھا قُبیل مدینة
“كوباني”
مُتشبثةً ببندقیتِھا الآلیة وغنائِھا، عكفت “بیریفان” تُدندِن بكَلمات أغنیة “الرحي”
عسي أن تطرد الفزعَ والیأسَ اللذین ینھبان أرضَھا
بدا الظلام في ھذه اللیلةِ الغَطشاء سرمدیاً بلاانتھاء، لینزوي أملُھا في أن تمحق
سوادَھا شمسُ النھار، فلم تبزغ غیر شموس الانفجارات وألسنةِ اللھب
حتي الصمت الذي یتخلل فترات القصفِ فھو مُریب مُوحِش لا یوازیھ إلا وَحشة
قُلوب الدواعش
مِسكینة ..ربما لو كانت لھا قصةُ أخري لأصَبحت من نَجماتِ السینما أو مَلِكات
الجمال
ولما لا؟ وھي ذات الوجھ الملائكي و العینین العسلیتین النجلاوین اللاتي تأسران
قلوب أشد الرجال
لكنھ خیارَھا ..أن تُقتل دون قومھا.. مُقاتلة من البشمرجة.. واحدة من اللذین
لایھابون المَوت
وبالرغم من قسوة الاختیار لم تذھلْ عن أن تعني بمواطنِ أُنوثتِھا ، فضَفَّرت
خصلات شعرِھا النحاسي في جدیلةٍ واحدةٍ كسنبلة فرنسیة
ركضت “بیرینا” نحو تلةٍ أخري ...اقرأ المزيد

القَادِمُ مِن السَّمَاء

bab_sharqi_damascus

كَم كانَت تلكَ اللَّيلةُ مُدلهِمَّةَ الظَّلَامِ والشَّرِّ، وسط ساحة ذلكَ الجَامِعِ الكَبِيـرِ، ومع ذلك الأعور الخبيث والّذي كأنَّهُ خرج من قعر زنزانة في الجحيم، لا يقدِرُ عليه أحدٌ من الإنس ينشُرُ الضِّلالَ ويقطع رؤوس الأبرياء وبارعٌ في السِّحرٍ أيَّما براعة والّذي كان قد أعاث الفَسَادَ في الأرضِ ووصلَ إلى ((الليفانت(1)))، هاهنا استفحل اليأس فِي جُزءٍ كبيرٍ من النّاس باستثنائنا وكُنَّا معتكفين بالمسجدِ الكَبير(2) ونحن نرجو الرَّبَّ أن يَمُدّنا بجندٍ من جُنده يقدِرُ على تخليصنا ويفقأ تلكَ العين المتبقية في رأسهِ، وإذ بلجَ رَجلٌ ينزلُ مِن السَّمَاء على شيءٍ يشبهُ المَلاكَ، يضع كفيه على أجنحة ذلك المَلاك الّذي يمتلِئ مسار طريقه إلى تلك المَنارة السَّاحرةِ نورًا وبهاءً على غير مثالٍ سابقٍ، يفوحُ منه ريحٌ يُرعب الضَّالين ويريح المؤمنين، هاهنا ذهبنا راكضين إلى تلك المنارة لنرى مَن هذا يا تُرى؟ وقد ازداد إيمانُنا لا إردايًّا بأنَّ مَن يطلب الخيرَ بصدقٍ ستساعده السَّماءُ دومًا من حيث لا يحتسب، ركضنا وركضنا ونحن نأمل أنْ لا يعترضَ طريقنا ذلك الأعور أو أحد أشياعه الّذن ملؤوا الأرض ظُلمًا ...اقرأ المزيد

فتوش

img_0170-2

“أي تشابه بين هذه القصة والواقع مقصود للغاية ! ”

1

زارني دياب في المنام، وطلب أن أعد له صحن فتوش، فاتصلت بأم سامي، لتساعدني بإعداد هذا الطبق.

2

بدأت المرأتان بإعداد الفتوش للشاب الذي مات قبل شهرين، في مساء ذلك اليوم كتبت أم سامي على حائطها الفيسبوكي:”أفكر بالضيوف الكثيرين الذين نعد لهم موائد وأغاني ورقصات قلب ولكنهم لا يأتون، بل يؤكدون غيابهم القاسي. تذكرت اليوم ملامح القصائد التي قرأتها عن الغياب والحضور، ثم انهمكت في إعداد الفتوش لدياب الذي لم ألتق به… أعرف كيف قتل، وأعرف ملامحه من خلال صورتين إحداهما معلقة على حائط بيته والثانية يحتفظ بها ابني سامي”.

3

سمت بكرها سامي تيمناً بأخيها الذي نقل إلى سجن تدمر الصحراوي في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، تَخيّلَت مراراً سامي الكبير وهو يرفع سامي الصغير عن الأرض، ويأخذه في جولة في الحارة، وفي عام 1998 (بعد مضي أربعة عشر عاماً وأربعة أشهر وثلاثة أيام على اعتقال سامي الكبير) جاء من يمحو أي أمل بقوله: “العمر ألكن” …
مات سامي بلا جنازة ولا كفن ولا قبر ولا تاريخ محدد ولا شاهدة ولا ...اقرأ المزيد