أخذ القلب ولم يعده

Khenifra, Morocco

لم أعرف متى بدأت قصة حبي لنهر “ام الربيع” الذي يخترق مدينتنا “خنيفرة”. هل كان ذلك في إحدى المرات التي جلست بقربه مع أسرتي ، لتمضية أمسية ؟هل وقع ذلك أول ما تذوقت سمكاته ذات الطعم المميز؟أم هل لأني كلما شعرت بالضيق، أقف بجواره فأتصور أنه يقبل تسلم همومي ومن تم يحملها بعيدا إلى مكان ما فلا تعود إلي أبدا؟

أحببت النهر فتعودت الوقوف على قنطرة من القناطر الخمسة المقامة داخل المدينة .هناك كنت ألتقي فتاة بشكل متكرر، بعد فترة ، تبادلت معها الحديث ، فعلمت أنها تدعى”نسرين” ،طالبة في السلك الثانوي، تعشق النهر مثلي، تقطن بجوار النهر لكنها تحب رؤيته أكثر من هذه القنطرة.

أحد أيام فصل شتاء ممطر. فاض النهر عن مجراه، دخل المنازل المجاورة وأخرج منها الأغراض، أفزع الناس في منامهم، قطع أوصال المدينة وأسقط إحدى القناطر المقامة عليه.

كرهت “نسرين” النهر لأنه آذى منزلها وطلبت من عائلتها الرحيل عن البلدة بأسرها .

لم أحب لصديقتي أن تترك بلدتها، لم يرق لي أن تعيش بعيدا عن أقاربها وأن تتغرب عائلتها ، فكرت أن أجعلها تنسى الصدمة فطلبت ...اقرأ المزيد

نداء الحياة

Classroom in Tazakht, Morocco

دخلَ المدرسة من البوابة الصغيرة ثم عرّجَ على جناح الإدارة. لَمَحْتُهُ قادما صوب حجرة الدّرس عندما تبيّنَ له غياب المدير. من خلفي يهمس أحد التلاميذ: هوذاك والد زياد! أستقبله بحفاوة، فيتمتم بكلمات قليلة و صوت خفيض؛ تماما كابنه لمّا يردّ على أسئلتي. أب خمسيني، قصير القامة، متين البِنية لكن كسير الطّرف! بصوت تُمازجه بُحّة حزن استفسرني عن موعد قدوم رئيس المؤسسة، و رغبته في الحصول على انتقال لابنه في أقرب وقت ممكن. أوشكت أن أجيبه: غير ممكن! لكن لا سلطة لي في هذا الأمر. تكلّفت ابتسامة و رددت عليه: سيدي، كيف تحرمنا من شمعة تُضيء عتمة هذا الفصل؟ هذا ظلم سيدي و لن نأذن لك بذلك! أشرق وجهه قليلا فأجاب بذات الصوت الذي تُمازجه بُحّة: ما باليد حيلة أستاذ! تزاخت* قرية جميلة لكن حقول الورد التي تجذب السياح من بقاع مُختلفة هي نفسها تدفعني لمغادرة المكان! أنا و زوجتي نُعاني من هذا الربو اللعين في فترات مختلفة من السنة و تحديدا إبان موسم جني الورود. ثم أضاف و الغصّة تحبس أنفاسه: لقد ...اقرأ المزيد

الثقب

Pothole in Lotissement Zerktouni, Marrakesh

ما إن اقتربنا من الوزاني حتى تغيرت ملامح سلمى، لا أحب انكسارها أمامه، و نظرة الفزع في عينيها تحيلني بركان غضب. هذه المرة لن أهادنه ولن أصبر عليه، لن أسلمه سلمى كعادتي وأتراجع.

الوزاني ثقب صغير في طريق إسفلتي بأطراف مراكش عند مدخل الحي حيث تقطن سلمى، والاسم كُنية طريفة نسبة لرئيس البلدية الذي ولد في عهده ثقبا صغيرا استحال بعدها إلى حفرة بعيدة القرار. وسلمى، آه من سلمى ! جمعتنا ملاعب الصبا ومقاعد الدرس وأحلام اليافعين، وفترة خطبة امتدت لسنين ثمان. بعد سنوات الدراسة، حصلت على الشهادة بتفوق، وبحثت بعدها عن وظيفة تمكنني من الاقتران بسلمى. لكن محاولاتي باءت بالفشل. كان الوزاني وقتها قد تدرج ليصبح وزيرا، فشيد مسجدا باسمه و حماما عموميا ومقهى لبث مباريات الكرة، لكنه أبدا لم يلتفت للثقب. نذر الوزاني نفسه لخدمة أهله ومواليه فكانت كل وظيفة في مدينتي تذهب إليهم. ثلاث سنوات صرفتها عبثا أتبارى لنيل وظائف كانت تذهب مباشرة الى مرشحين بربع مؤهلاتي. مرشحون كثير منهم لم يكلف نفسه حتى مشقة الحضور إلى مركز الامتحان. في ...اقرأ المزيد

أريدك في الأرض …قبل السماء….

Entrance to the walled city, Oujda, Morocco

كل الحكاية.. بدأت حينما عزمت ليلى على تعلم الكتابة و القراءة … ليلى تجاوزت الأربعين بسنين قليلة، لازال زوجها مجنونا بها، يمطرها بكلمات العشق ، يستبد به جمالها ويأسره جسد لم يتأثر بعسر و جهد الإنجاب المتكرر ثلاث مرات. كانت ليلى تعيش كل السعادة مع المجنون …فجأة تغيرت أشياء كثيرة ، فقدت إحساسها بالحياة .. أصبحت تستعجل الموت .. تهرب من دفء العلاقة الحميمية ، تتقرب أكثر من الله و تبتعد عن زوجها أكثر فأكثر كلما عادت من مركز محو الأمية .

كان المركز يستقطب نساء من مختلف الأعمار،كن يتعلمن به كتابة و قراءة الحروف و من باب الصدقة الجارية كن يتلقين دروس وعظ و إرشاد ، قالت لهن المرشدة في درسها الأسبوعي :” أتعرفن أن للمرأة تاريخ صلاحية …. ؟!.. يستهلكه الزوج بنهم .. عندما ينتهي ذلك التاريخ.. ينتهي كل شيء بالنسبة لها ….” ضج القسم بضحكات وتصادمت في الفضاء علامات استفهام و تعجب،فأضافت:” بعد تجاوز المرأة سن الأربعين ، ينتهي تاريخ صلاحيتها … تدخل سن اليأس فيصبح حرثها مجرد عبث.. عليها ...اقرأ المزيد

نداءٌ من غيابات الصحراء

Merzouga, Morocco

سقطتْ دموعه على الأرض.
و شكّلت من التراب ثلاث كويرات صغيرة، سيحسبها عصفور بعد هنيهة فتاتات خبز.
لكنْ.. هذه قصّة أخرى…
قالت: الرجال لا يبكون.
قال:  و لا السماء في هذا البلد.
قالت: لا تنتظرني. لن أعود.
و لما بانت في المدى بين النخيل و الزيتون، تذكر ما دار بينهما ليلة عيد ميلاده الثلاثين، و أنه أسرّ لها يومها: ينتابني نداءٌ خفيٌّ من صحراءَ بعيدةٍ أكون فيها أنا أنا.
و أنها قالت له: لديّ حلم قديم في صحراء “مرزوگة”، لكنني لا أتذكّر تفاصيله.
و عندها، أدرك أن ذاك الحلم، كان الوحيد المشترك بينهما.
أشعل سيجارته و جلس على مقعد خشبيّ في نفس الحديقة. كان قد مرّ زمن طويل لم ير فيه صديقا قديما له، لم يكن يزوره إلا حينما تحل به مصيبة. فقام و سار نحو بيته، و عندما طرق بابه قيل له إنّه توفّي منذ يومين، فزاد ألمه و اجتاحه الأسى المرير مضاعفا.
توجه نحو أقصى شمال المدينة شريدا، هائما على وجهه، بدون أية وجهة محددة و دخل كوخا من الطين، فوق تلّة، بدا مهجورا، ...اقرأ المزيد

بائعة الحظ

Tafoughalt, Morocco

انتشر الخبر المُريب بسرعة البرق في أرجاء قرية تافوغالت الهادئة، و توالت ردود الفعل تجاه الحدث كسيل جارف. أكّد بعض الأشخاص الخبر بثقة كبيرة و دافعوا عنها باستماتة. بينما نفت مجموعة أخرى الخبر و أخذت تكذب و تتهم بلا هوادة.لكن هذه الأحداث كلها جعلتها حديث كل لسان! فبعد مجيئها منذ يومين فقط، أصبح الكل يتكلم عنها صغارا و كبارا! إنها المرأة العجوز التي حلت بالقرية في ظرف وجيز.قالوا أنها إنسانة طيبة تبيع الحظ بثمن بخس، لأنها تمنحك الكمية التي تريدها. كيف تفعل ذلك؟ لا أحد يعلم السر حتى الآن.

كانت تمشي بهدوء قرب إحدى المزارع الجميلة بالقرية، تحت أشعة الشمس الدافئة الذهبية.تلبس ثيابا رثة داكنة اللون و تحمل عقدا قديما في يدها، تنصت للعصافير مستمتعة بنسائم الربيع التي تهب. تلتفت يمنة ويسرة كأنها تبحث عن شيء ما. وجهها غريب و قد حفر الزمن عليه بحرية حتى مسح ملامحها تماما. أخذت تتجول بعصاها في المكان وعلى محياها ابتسامة خفيفة تخفي الكثير من الأسرار أو ربما ألما عميقا دفينا لا يعلمه أحد. تضرب بيدها في طبل صغير وتنادي بصوت متقطع: ” ...اقرأ المزيد

الشاون 1936

نال المركز الثاني في المسابقة الأدبية “ألفا ليلة وصحوة”

حافياً يركض، يطارده اثنان. من زنقة إلى زنقة يحاول إضاعتهما. حوله بيوت تلونت جدرانها وأبوابها بلون الياقوت الأزرق. حتى وهو يجري مدارياً عن نفسه الاذى يتذكر غرابة أن تكون المدينة زرقاء من تحت وبيضاء إن شوهدت من أعلى.

لا بدّ أن من بنوا هذه المدينة كانوا هاربين مثله، من شيء ما، ولم يريدوا أن يحل بهم ما دفعهم للهروب أول مرة. وإلا فلم لم يبنوا المدينة في الأسفل، في الوادي، عند نهر، بدلاً من رصها بين الجبال؟

ليته كان يملك حصناً منيعاً أزرقاً على قمة جبل يستجير بيه من مطارديه.

دخل الساحة. في وسطها شجرة صنوبر شامخة، أغصانها الخضراء تتقلص طولاً كلما رفع الناظر بصره إلى الأعلى. القصبة بسورها المحمّر على يساره. فيما وراءها الجامع الأعظم. عجيج الساحة يملأ الأذن، باعة، مشترون، رجال ونساء، جلابيات مخططة وملاءات بيضاء. أزياء … عسكرية؟

التفت خلفه إلى الدرب التي خرج منها إلى الساحة…. لم يصلا بعد.

أجال ببصره وهو يتابع إشارات العسكريين وهم يتحدثون إلى بعض الشباب. استمر في متابعة أيديهم واستدار بجسده لتتلقف عيناه منظر ...اقرأ المزيد

قهوة سوداء ومشاعر ملونة

Argana cafe and Yemaa el Fna square in Marrakesh

أعشق شرب القهوة السوداء… خاصة إذا كانت من النوع الجيد كالذي تقدمه مقهى (اركانة.).. مكان جميل كنت ارتاده أنا وزوجي كلما زرنا مدينة مراكش…منذ أيام خطوبتنا… مكان كنا نطل من شرفته على ساحة (جامع ألفنا) بصخبها وحركتها الذؤوبين…كما اطل منها على ذكريات جميلة جمعتني بعارف… كان يحب هذا المكان بل يعشقه لدرجة انه كتب عنه أكثر من مرة، اعد روبرتاجا عن مقاهي الساحة وخص (اركانة) بما يليق بها…. كما ذكرها في أكثر من قصة من قصصه التي أرخت لبعض من حبنا…

يومها جلسنا بركننا المفضل… وتمتعنا بمشاريبنا ودردشتنا ومرح طفلينا والمشهد البانورامي للساحة حيث الروائح والألوان والأصوات في امتزاج رائع وكيمياء آسرة…ولان زوجي يفضل ألا يدخن أمام الأطفال، فكرت في أن امنحه فرصة الجلوس وحده وذهبت معهم في جولة بدكاكين الساحة….

****************

أخرجت رواية “الكيميائي” وشرعت في القراءة، ثم أشعلت سيجارة وطفقت أدخن…. خلوة رائعة تحققت فيها أمور ايجابية كثيرة: الزوجة تتسوق سعيدة بمقتنياتها.. والأطفال فرحون بالفضاء الجديد وانا سعيد بسيجارتي وكتابي…. أتابع رحلة (سانتياغو) بحثا عن الحكمة وعن سر الحياة…

تمر الساعة الأولى على ...اقرأ المزيد

الرغبة الأخيرة

Argana cafe, Marrakesh

كان الوضع رهيبا للغاية، كأنه نيزكا عملاقا سقط من الفضاء، فأتى على أجمل مكان في مدينة مراكش، كثُرت أسئلة العابرين واشتد لغطهم:”ماذا حدث؟” “هذا يشبه الرّعد” “ربما مستودع قنينات غاز انفجر” ..”الأمر خطير جدا” “يا ربي الستر”.

كنت من بين المتسائلين المتواجدين قرب “جامع الكتبية” أتصفح ذاكرة المرابطين والموحدين الباهرة. عندما سُمع الانفجار، أخذتني قدماي إلى ساحة “جامع الفناء”، حيث تركت صديقي هناك رفقة جاكلين بمقهى” أركانة” المطل على الساحة، يتحدثان في أمور عاطفية من المنتظر أن تختتم بزواج تم هجرة إلى “أمريكا”. كانت هذه هي الرغبة الأخيرة لصديق الطفولة بعد محاولاته المتعددة في الانتحار بسبب فشله في إيجاد عمل داخل وطنه.

رغم التعاسة وبؤس الحياة، ورغم الانكسارات المتكررة التي كانت تلاحق “مراد” مند تخرجه من الجامعة، إلا أن الابتسامة وروح المرح لم تفارقاه مطلقا. قال لي ذات مرة: “أنا أبحث عن حنان الوطن لا عن حنان حنان”، وكان يقصد بذلك اسم الفتاة التي كانت على علاقة به. لم يكن يجد مراد صديقا أخر غيري في مؤانسته، لذلك قرر في ذلك الصباح أن نسافر معا إلى مراكش …

شرع في اختيار ألوان ...اقرأ المزيد

المَطحَنَةُ

Rio Martin Tanger Tetuan Morocco

انتصب صالح الطَّحَّان أمام باب المَطحنة، متأملا ناظرا إلى ألأفق العابس، الذي أشعل في نفسه شهوة الانتصار. موقنا أن هذا العام قد يكون عام خير وبركات.

واسترحم ربه أن يهب الأرض من ماء السماء وتينع الغلال، فالسحب الداكنة التي كانت تتجمع، كانت تندفع مسرعة نحو القرية وهطل المطر. ورنا إلى السهل الشاسع وقد تحولت البذرة إلى نبتة، تطل من تحت تربة ندية مبللة، ودفق ماء النهر وساح في البراري، وأسعد هذا الأمر الطَّحَّانَ ومطَّ شفتيه واستبشر خيرا.

بدا الطَّحَّان سعيدا متفائلا، فمَطحَنة الحبوب ستشتغل هذا العام والحقول ملآ بالغلال، وقد يأتي محصول جيد ويطلب من الطحال خدمات، وعقد صفقات من اجل طحن الحبوب.

وستتحرك مروحة المَطحَنة التي ظلت ساكنة لمدة طويلة، وحيث لم يكن هناك ماء يدفع بها إلى الدوران، وتدور بتلك السرعة التي يمكن من خلالها سحق الغلال والحبوب، وقد مرت سنوات عجاف لا مطر فيها ولا ماء.

وكانت السماء شحيحة، ولم تنفجر مياه العيون ولا تدفق ماء النهر. وما ساحت مياه الجداول التي كانت تنساب في الوديان وقريبة من القرية، وبمطحنة صالح الطَّحَّان، محركة مروحة كبيرة تمد المَطحَنة ...اقرأ المزيد