باب اللوق

Bab Al Louq, Cairo, Egypt

أخذت لحظات أتأمله فيها خلسة قبل أن ينتبه لوجودي. كان مثل وطن، كلما غبت عنه وعدت، أسرتك ألفته، وفاجأتك محبتك له! راقبته وهو شارد يدخن بأريحية. اجتاحتني مشاعر شتى كتلك التي عشتها مع كل خطوة سرتها في طريقي لهنا. خطوت إلى مقهى سوق الحميدية حيث انتظرني. رفع رأسه فرآني، فضحك. كان جميلاً وأنيقًا، تملكتني نشوة سرية لأنه تهندم جيدًا لموعده معي؛ ندمت في هذه اللحظة على أنني لم أنجب طفلاً من هذا الرجل ذي الضحكة البهيجة. نهض ليستقبلني، أخذ كفي بين يديه وقبلها. لطالما فعل ذلك عندما كنا معًا.

—أهذا يليق بامرأة طلقتها منذ ثلاث سنوات؟!

—هذا يليق بامرأةٍ أحببتها ثلث عمري.

—كنت تفعل هذا بعد كل خلاف.. دعني أكن أكثر دقة.. بعد كل خيانة؟

—سهيلة! بحقك! لم أكن خائنًا.. كنت فقط أعشق البدايات. وبعد كل بداية..

—خيانة

—كنت أعود أحبك أكثر.

ها نحن ذا، عدنا كأنا لم نرحل أبداً. مشاعري الجياشة تجاه ميدان باب اللوق اختلطت بمشاعري المضطربة تجاه “علي”. غزتني بهجة النهار مع تباشير الشتاء ولمسة الهواء البارد دون قسوة ورائحة القهوة المحوجة فانتشيت. كنت أخشى لقاءنا، وهاأنذا أتماهي مع حكاياته ...اقرأ المزيد

جدار الشهداء

Martyrs' Wall, Batha, Irak

“فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ”

في صباح خريفي، عتبتُ الباب الخارجي متجها إلى مكان عملي، قدماي تقوداني بشكل آلي، فقد اعتادتا الطريق لكثرة ما اختطتاه طيلة خمسة أعوام. حتى أن المرئيات نُقشت على صفحة الذاكرة، فكل ما أمر به تسبقه صورته قبل الوصول إليه.

أول ما تواجهني محطة ضخ الماء المقابلة لبيتنا، ألقي تحية الصباح على حارس يقتعد كرسيه متململا أمام بوابتها الحديدية، ثم أطأ تبليط الشارع بخطو متراوح بين السرعة والبطء. أمر بين حدادة سلمان ونجارة حسن ثم أخترق الساحة الترابية محاذيا متنزه المدينة، يتسخ حذائي، تغيب لمعته تحت ذرات التراب العالقة به، أستمر في المشي، أصل مرآب سيارات ذي سياج تقشر طلاؤه الأبيض، وتحول إلى لوحة خاكية لصور الشهداء من العسكريين، تعلو الابتسامات شفاههم، حتى لكأني أستمع لقهقهاتهم آتية عبر وجوههم النضرة وهم يتنكبون أسلحتهم الخفيفة أو يقفون قرب أخرى ثقيلة.

ألقيت عليهم السلام كما هي عادتي، ألجمتني صورة جديدة.. توقفت، اقتربت منها، قرأت:
_
الشهيد البطل موسى نعيم استشهد دفاعا عن الوطن والمقدسات في قاطع…

بودي لو استنطقت الصورة، كيف استشهد صاحبها؟ برصاصة قناص أم أثناء ...اقرأ المزيد

العيـد فى عزبة النخل

Mosque in Alexandria, Egypt

البهجة البريئة المقطرة؛ أتشمم عبيرها الآن.. أحاول استعادة إحساسى القديم.. الليلة ليلة عيد.. يقترب الفجر حثيثاً.. أتأمل البخار المتكاثف فوق مياه ترعة المحمودية الرقراق.. أرانى ولداً صغيراً يجرى مع أترابه خلف “على السمرا” المسحراتى فى آخر ليالى رمضان.. وهو ينادى على كل بيوت القرية بالاسم.. يا حاج عربى عتيبة كل سنة وأنت طيب، العيد بكره.. يا سيد يا عطار كل سنة وأنت طيب، العيد بكره.. يا محمد يا عزب كل سنة وأنت طيب، العيد بكره.. وبين كل اسم وآخر ينقر على طبلته تلك النقرات الحبيبة التى لن نسمعها إلا بعد عام كامل.. ونحن خلفه ككورس فى سيمفونية “مهرجلة” لم يتم الإعداد الجيد لها.. نتصايح ونردد: العيد بكره.. العيد بكره.. ونتضارب.. ونتدافع.. ونضحك..

نجرى إلى الساحة أمام المسجد.. نلعب بجوار النخلتين المتعانقتين و”حنفية المياه” التى تملأ منها كل بيوت القرية.. نخلع ملابسنا.. نتقاذف بالمياه المندفعة فى هدأة ليلة العيد كموسيقى ذات وقع حلمى.. نرى “جدو” قادماً فى خطى شاب تعدى الثمانين.. لا يستند على عصا.. العزيمة تملأ جسده النحيف المحنى الأكتاف ووجهه الممصوص ورقبته ...اقرأ المزيد

تلك النظرة

Cairo, Egypt

أتقافز أمام تلك السيدة العجوز مستعطفا إياها من أجل ما تجود به. أمني نفسي أنه سيكون كافيا كي أصل للمبلغ المطلوب. تبحث في حقيبتها بضيق قبل أن تعطيني بضعة عملات معدنية. أخشخش بها بسعادة. ينقصني القليل لأعود للمنزل.

يبرد الجو أكثر، فأكثر. أضم قميصي إلى صدري و أحك ساقاي ببعضهما طلبا للدفء. لدي ملابس ثقيلة في المنزل لكن يحرم علي ارتدائها في العمل. بالله عليك كيف سأستعطف أحدا إذا لم أرتجف بردا؟ أرمق ذلك الشاب و تلك الفتاة. ابتسم بخبث. خجل أول لقاء. يحاول أن يمسك بيدها وهي تتحاشى ذلك متصنعة النظر إلى واجهة إحدى المحلات. هدف ممتاز! اقترب منهم راسما على وجهي أعتى ملامح التعب و العذاب طالبا صدقة بصوت مبحوح. تلك النظرة! ترمقني الفتاة بألم حقيقي . تملؤني مشاعر متناقضة من الشعور بالذنب تجاهها و الشعور بالفخر لأدائي. يرتبك الشاب و يدفع يده في جيب بنطاله وهو يرمقني بتلك النظرة! نظرة تتمايل بين الكراهية و الإحراج و تصنع العطف! أنا لست أحمق! ربما أكون في التاسعة، لكن سنوات عملي في الشارع أكسبتني خبرة ضخمة. ينقدني عملة ورقية فيرقص قلبي.. ...اقرأ المزيد

بلاد الذهب

 Corridor of Sphinxes, Luxor, Karnak, Egypt

ما الذي أراه أمامي! بالتأكيد إنني أحلم … الآن وبعد كل هذه السنوات أعود إلي هذا المكان الذي طالما حلمت أن أتواجد به مجددًا الأقصر … اول ما رايته بالسابق كان طريق الكباش بالاقصر كان علي الجانبين تماثيل رائعة لأسود ثم واصلنا السير داخل معبد الكرنك حتي البحيرة المقدسة.

كانت البحيرة المقدسة من أروع ما رأيت فقد كان يغتسل بها منذ القدم الكهنة قبل الصلاة، ويوجد أمامها جعران عملاق يتبارك به النساء منذ القدم، ويأتي إليه الأجانب حاليًا للدوران والتبارك به، أيضًا لأنه يرمز إلى الحظ والإنجاب … قمت بالدوران حوله مثلما يدورون وانا اضحك بشدة متمنيه الحظ والحب كنت قد ذهبت إلى هذا المكان من قبل ويومها أصبح لدي حلم أن أصبح مرشدة سياحية وأن آتي إلي هذا المكان مجددًا مع فوجًا سياحيًا وها هو الحلم يتحقق أمام عيني …

بعدما أخد الفوج جولته في معبد الكرنك حان موعد رحلتنا النيلية عبر المركب السياحي إلي أسوان او كما تُعرف قديماً “ببلاد الذهب” لأنها كانت تعتبر كنزًا كبيرًا سميت ايضًا قديمًا باسم “سونو” بمعني السوق ...اقرأ المزيد

أنا باردو

Bardo National Museum (Tunis)

تناهى إلى سمع حمادي صوت منبه السيارة الحاد المباغة. فتراجع إلى الخلف دون أدنى تفكير. تسارعت دقات قلبه. و أصابه صمم مؤقت. زاغ بصره. و جف فمه. رأى السيارة تمر حذوه بسرعة جنونية. لم يصدق أنه نجا من الموت للمرة الثانية في ذلك اليوم. اِمتدت يده لتلامس وجنته حيث لازالت تستقر دمعة. تزاحمت ذكريات هذا المساء متداخلة أمام عينيه. رأى روبارتو الذي عانقه بحرارة. أبصر وجوه ماريا و إميليو و صوفيا و غيرهم تتزاحم حوله مهنئة راضية مدينة له بالعرفان.

داخله شعور بالفخر و السعادة العارمة. أخرج من جيب بنطاله علبة السجائر. أخذ منها سيجارة. لامسها لسانه. فلسعته برودتها المرة. أشعلها. و نفث الدخان بقوة على شكل كريات بيضاء تصاعدت إلى السماء. اِسترخى جسده. و سرت فيه قشعريرة.

تذكر ما حصل له في منتصف ذلك اليوم. كان في الطابق الثاني من متحف باردو برفقة مجموعة من السواح الإيطاليين. كان دليلهم السياحي الذي كان يرشدهم و يخبرهم بكل قصص النفائس التي يحويها المتحف. سمع فجأة أصواتا مدوية. فخيل له أن شيئا ما قد سقط من السقف. أخبر ...اقرأ المزيد

بنتُ الرّومي

Cerez, Belimour, Algeria

هذه القصّة مستوحاة من البحث في تاريخ قصّة القصر المبني على أرض مدينة بليمور (تاماسكاني في الفترة الرّومانية)، وهو يحاكي القصّة الحقيقيّة لبناء وتشييد القصر الجميل..

صبّحك الله بخير يا مدينة سيدي عقبة السّاحرة !، أمّا أنت يا بيلا بنت الرّومي؛ فغنّي وارقصي على أنغام نسيم هذا الصّباح، واطلبي من والدك ما شئت فالزّيت من الزّيتونة والسّمك من البحر، والأرض صارت لك، خلى لك الجوّ فبيضي ونقّري أيّتُها الحسناء !..

نم يا سيدي عقبة في رمسك نوم قريرِ العين لأنّنا سنعودُ غدّا حاملين أحلامنا على أكفّنا وأعيننا على قبرك كي لا تنتهك حرمة موتانا على هذه الأرض..

قصُور المدينة تنتصب شامخة شموخ أهلها رغم نوازل الدّهر ودورة الأيّام.. الجمال السّاحر الفتّان يأسر قلب بيلا الجميلة فتروم من والدها تري بنعله الأسود المتعالي بناء قصر يشبه ما رأت في سيدي عقبة على أرض سيريز، عفوا على أرض تاماسكاني !.. يتلكّأ الوالد، يتردّد لكنّه يرضخ في نهاية المطاف لمطلب ابنته الصّبيحة..

جاء الخمّاسة، بدأوا بالحفر أعلى تلّة مطلّة على غابة من الأشجار الكثيفة، يبدو أنّ القصر سيحتلّ مكانا مواتيا مثلما احتلّ تري وابنته وبني جلدته قلوب ...اقرأ المزيد

كُلُّ مَنْ لَهُ نبى يُصَلَّى عَلَيهِ

Saint Catherine's Monastery close to Sharm el Sheikh, Egypt

إِنّهُ فى شِتَاء الْعَامَ 2066 وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحَدِّدَ فى أى يَوْمٌ نَحْنُ، أَكُتُبُ هذة الْكَلِمَاتِ عَلَى ظُهْرِ إحْدَى الْبرديَّاتِ الْمَحْفُوظَةَ هُنَا فى الدَّيْرَ، لَمْ أَجِدُ مَا أَكَتَبَُ عَلِيهِ فأضطررت لِأَكْتُبَ عَلَى ظُهْرِ الْبرديَّةِ، لَا أَسَتَطِيعُ الْاِنْتِظَار، فَلَا أَدَرَى هَلْ سيسعفنى الْوَقْتَ أَمْ لَا؟، كُلَّ مَا أَعرْفُهُ أَنّهُ عَلَى أُنَّ أَكتب الْآنَ، اِجْتِمَاع الرقْمِ سَتْة مرَّتَيْنِ فى عَامَ وَاحِد كَانَ يُنبئنى بِأَنَّ الْأُمُورَ ستنتهى هُنَا، الصَّقِيع مُسَيْطِرٌ عَلَى كُلَّ شى وَالشَّمْسَ تَوَارَتْ خَلْف السُّحُبِ الْكَثِيفَةِ وَكَأَنّهَا تَأْبَى أَنَّ ترى مَا سَيَحْدُثُ وَكَأَنْ ماسيحدث سيؤذيها كَثِيرًا أَو أَنَّهَا تَتَبَرأَ مِنه.

مُنْذُ ثَلَاث سنوَات قَطَعُوا لسانى وَكُلُّ الْمُحَتمِينَ بِالديرِ، مُنْذُ ذلك الحين وَأَنَا أُصلى.. أُصلى كُلُّ يَوْمٍ.. أُصلى كَثِيرًا كَثِيرًا جدًا أكْثَر مِنَ الْمَفْرُوضِ، لَيْسَ خوفًا مِنَ الْمَوْتِ وَالْحسَابِ وَلَيْسَ اِتِّعَاظًا، لَيْسَ أى مِنْ ذَلِكَ، كُلَّ مَا فى الْأَمَر أَنَّى أُرِيدُ أَنْ يُسَمعَ صوتى… صوتى الْمَحْبُوس بداخلى مُذْ فَقدتُ الْقدرة عَلَى إِخْرَاجِهِ، لَا أُصلى فى الْجَامِع الْمَوْجُود فى صُحِن الدير وَلِكِنى أُصلى هُنَاكَ ...اقرأ المزيد

شق الجبانة

Shanway WA Kafr Al Badranah, Ashmoun, Menofia Governorate, Egypt

بنت البندر أرضٌ بور، انقطع حبلها بعد وفاة طفلتها، وزوجها كحبات مطر. يعطيها دمية ابنتها المعطرة، يتحسس خصلات شعرها إلى أن تنام كل ليلة. تتذكر تلك المرة التي التقطت فيها روحها بصعوبة؛ التقط زوجها ثعبان ميت رمته عليها أمه، لأنها متيقنة أن زوجته “مشاهرة”. عندما احتضنت ابنتها تمكن منها اللون الأزرق. قربتها من وجهها وشمت رائحتها، أمسكتها من ذقنها المتيبس. مسحت دموعها من على خد ابنتها… واشتد عويلها حين أخذتها جدتها لتغسلها، قائلة “بنت موت يا عين ستها”.

“أنتِ متشاهرة ولازم تشقّي الجبانة”، مضت عدة شهور ولم تحبل. تلك الكارثة دعتهن لإلقاء ثعبان ميت في حجرها، وقتل كلب في منطقة الجزيرة المهجورة لتمر فوقه… واليوم عليها الذهاب إلى المقابر، لابد أن ترى كفن ابنتها حتى تثمر. وافقت على العرض دون أن تؤمن بتحلل طفلتها، هي شهيدة، ماتت في المشفى المتهالك.

مشت معهم وسط الحقول. رأت خيال المآتة ينعق مع الغربان، ونساء لهن أعين البوم، يرتدين الأسود، وقفت في قلبهن بجلباب أبيض مزين بالتوت. الشمس فوق رؤوسهن، والفراشات فوق “الأناية”، والبوص ...اقرأ المزيد

بحجم قطعة سماء

Bayt al-Suhaymi, Cairo, Egypt

تتساقط الشمس فوق رأسها شظيات حارقة، وينصهر أسفلت الطريق تحت قدميها، تلتصق به الخطوات فتتحرك بالكاد. البنايات على الجانبين تضغطها كقوسين تحتبس بينهما حتى تصير مجرد حرف مضغم لا يبين له معنى. كل ما يحيط بها بات جملا مبتورة لا تثير في روحها أي معاني بقدر ما تثير من علامات استفهام وتعجب.

كلما احتكت بها خطوات واقعها الثقيلة التي تسعى للهرب من وطأتها بالتنكر في صورة حجر صلب له سطح خارجي خشن ذو قدرة على المقاومة والصد، كلما علق بسطحها الخشن ذاك بعضا من قذارة تلك القدم الكريهة برائحتها العفنة، وانسدت مسام روحها بالأدران وغدت درجة أكثر حلكة من السواد. ما لم تضعه في الحسبان يوم راهنت على الحجر وخسرت الرهان هو احتمال أن يكون من نصيبها دونا عن كل الأحجار، حجر حمام منسي في ركن رطب مليء بالعفن!

تسعى الخطو حثيثا إلى المكان الذي تنفك فيه الأقواس وتتضح لها المعاني. تستمر في طريقها حتى يتبدل ملمس الأرض تحت قدميها. عوضا عن حرارة الأسفلت التي تحرق نعل الحذاء وتخترقه، تشعر قدمها بوخز تعرجات وبروز الأحجار التي ترسم وجه الشارع ...اقرأ المزيد