عندما نَفد الوقود!

View from the car window of a road in Cairo, Egypt

نزلت من على السلم في عجالة, و اخذت خطوات سريعة في اتجاه سيارتي, التي كانت تصف بالقرب من بوابة الشركة. كانت خطواتي عشوائية, فأنا بالكاد كنت أرى من وراء الدموع التي تجمعت في عيني و رَفَضَت النزول لتحررني من هذه الغصة التي كنت أشعر بها. ركبت السيارة و استجمعت قواي, و انطلقت لا أعلم الى أين. لم يكن على بالي سوى سؤال واحد, يعيد نفسه مرارا و تكرارا, لماذا أنا؟! لماذا قرروا الاستغناء عن خدماتي الان, و بهذه الطريقة؟! لقد كنت من أكفأ الموظفين و من أكثرهم نشاطا و ذكاءا و تفانيا في العمل. كنت أحصل على التقدير و الاحترام من جميع المديرين. لا يوجد تفسير لما حدث, و لا إجابة لأي سؤال من تلك الأسئله التي تتصارع داخل عقلي. و لكن السؤال الأهم كان, و ماذا بعد, ماذا الآن, ماذا سأفعل في حياتي؟ لقد كان عملي هو محور حياتي, و الآن تلاشى هذا المحور ليختفي في العدم, ...اقرأ المزيد

السيدة “د”

Markaz Tama, Sohag Governorate, Egypt

حملت أوجاعها المتسلسلة في طرف ثوبها المُبتل، لترحل بعيداعن بُقعة العفن التي عانت فيها من أوجاع الروح،وسقطت فيها من أعلى قمة المُنحدرمرات ومرات؛سقوطها كان مدوي لدرجة أن شياطين الجن استعاذت بالله من فعل بني الإنس.

نفسها محبطة إلى أبعد الحدود، تفكيرها في الانتحاريطرُق بابها كُل ليلة، ولكنها كانت تستعيذ بالله من كُل شر يسكن في مُحيطها وبالأخص الأنثى التي تُشاركها المنزل وتدعى (روحية) ؛ المرأة الغامضة المستيقظة ثُلثي الليل تنظر إلى النجوم ، وتمتماتها الغريبة التي كانت تخترق حيز الروح المؤمنة بالخرافات؛ فكل نساء القرية كُنً يحضرن إليها من أجل فك الأعمال المُعلقة في صدورهن مُقابل ، كوز من الذرة أوحفنة بسيطة من القمح الذي لا يراه الجميع هنا إلا من العام للعام ،أو بضع أمتار من (الجاز) لتُنير اللمبة (رقم سبعة) القابعة في منزلها التي رمادها يُغطي على بنورتها الخافتة فتصيب المنزل بكآبة أكبر من الكآبة المُنتشرة على جدران المنزل المهجور الذي مات أهله بسبب مرض غريب ، جعل الأجساد تهترئ، منزل منذ القدم لا يُولد فيه ولد ذكر إلا ويموت.

ولأنها تخشى المواجهة دائما، فلم تتحدث ...اقرأ المزيد

مصاص الدماء

Lake Qarun in Egypt, Faiyun Province

الظلام والسكون یحیطان بذلك المنزل الرابد على ضفة بحیرة قارون..فى لیلة غاب فیھا القمر والتیار الكھربائى… مما أشاع جوا كئیبا من الرھبة .. أخذ یحدق من الشرفة فى المیاة الساكنة التى لا تعكس أى صور لما حولھا.. وقد أسدل الستار على كل المشاھد فى عقلھ سوى مشھد واحد.. مؤلم… ذلك الجانى ..الصغیر الكبیر..الجبان الشرس..الھش شدید البأس .. والذى یخشاه ..وبشدة لقد دمر ھذا الكائن حیاته كلھا .. غیر مسار سعادتھا إلى أحزان لا تنتھى… كان سببا فى قتل والده… نعم قتله بعد أن أصابھ بمرض عضال.. ولقد كان والده بالنسبة له ولإمه كل شئ … وبموته تزاحمت علیھما الدیون ..ولم یبق لھما سوى المنزل وبعض الأراضى المحیطة .. ولحقت أمھ بأبیھ بعد وقت قصیر .. ربما بعد مواجھة أخرى مع ذلك الكائن .. بذات الداء العضال.. وأدرك أنھ صار بمفرده فى المواجھة.. وفى أولى لیالیھ بعد موتھا..وبعد انصراف الأقربين ومعھم نظرات الشفقة تنعى والدیھ وشبابھ وعقلھ المختل وھو یحدثھم عن ذلك الكائن .. لا یھم … المھم أن علیھ أن یحمى نفسھ … اتخذ ...اقرأ المزيد

السدود

Ad Daljamun, Ad Delgamon, Kafr El-Zayat, Egypt

مازال البرق یخطف بعض الظلمة، ویباغتني برجفة. ربما یقصدني، وربما یُصبح بشارة أو وعید. ستختفي الظلمة عما قریب، ویبھت البرق، وسیعود النھار حتماً. ھذا رجائي، فعدتُ للدار بعدما توجستُ، وارتجفتُ، ورمیتُ ما أنا فیھ بغطاء ثقیل.

ما إن صحوت من نومي بعد طول الرقاد،حتى دنوتُ من أمي، والتصقتُ بھا، ننظر للشارع الخالي، ورذاذ المطر یھبّ على وجھي عنوة. تحسستُ ساعتي بعد مدة، فكساني الحزن والغمّ برداء ثقیل، وفتحتُ النافذة الأخرى، فأیقنتُ أن السماء تغسل أرضیتھا الرمادیة. اللیل ھرب من الصبح، والصبح وقفٌ على لیل، والليل والصبح في ھذه اللحظة شيء واحد: ) الوقت متأخر. لا علیك ( فارتدیتُ ملابسي، وھممتُ بالخروج، وفتحتُ بوابة الدار. نظرتُ الطریق. الطرق موصدة أمامي: ) لن أصل إلى ما أرید( فرضیتُ كَرھاً بالجلوس، والنور الطبیعي والصناعي قد ذبلا، وانطفأ برذاذ المطر. أشعلتُ سراجاً لا یُسمن ولا یُغني، وتحلقنا حولھ، وملأنا بطوننا. عقارب الساعة ھاربة، ومختفیة. لا أحد منا یجید الحكي، ولا یملك غریب اللفظ، أو النكات. الكل یدور، ویبحث في وجھ الآخر عن شيء نغلّ بھ الوقت، ونزج بھ قرباناً لصبح آتٍ. ندور جمیعاً بین الغرف. ...اقرأ المزيد

باب اللوق

Bab Al Louq, Cairo, Egypt

أخذت لحظات أتأمله فيها خلسة قبل أن ينتبه لوجودي. كان مثل وطن، كلما غبت عنه وعدت، أسرتك ألفته، وفاجأتك محبتك له! راقبته وهو شارد يدخن بأريحية. اجتاحتني مشاعر شتى كتلك التي عشتها مع كل خطوة سرتها في طريقي لهنا. خطوت إلى مقهى سوق الحميدية حيث انتظرني. رفع رأسه فرآني، فضحك. كان جميلاً وأنيقًا، تملكتني نشوة سرية لأنه تهندم جيدًا لموعده معي؛ ندمت في هذه اللحظة على أنني لم أنجب طفلاً من هذا الرجل ذي الضحكة البهيجة. نهض ليستقبلني، أخذ كفي بين يديه وقبلها. لطالما فعل ذلك عندما كنا معًا.

—أهذا يليق بامرأة طلقتها منذ ثلاث سنوات؟!

—هذا يليق بامرأةٍ أحببتها ثلث عمري.

—كنت تفعل هذا بعد كل خلاف.. دعني أكن أكثر دقة.. بعد كل خيانة؟

—سهيلة! بحقك! لم أكن خائنًا.. كنت فقط أعشق البدايات. وبعد كل بداية..

—خيانة

—كنت أعود أحبك أكثر.

ها نحن ذا، عدنا كأنا لم نرحل أبداً. مشاعري الجياشة تجاه ميدان باب اللوق اختلطت بمشاعري المضطربة تجاه “علي”. غزتني بهجة النهار مع تباشير الشتاء ولمسة الهواء البارد دون قسوة ورائحة القهوة المحوجة فانتشيت. كنت أخشى لقاءنا، وهاأنذا أتماهي مع حكاياته ...اقرأ المزيد

العيـد فى عزبة النخل

Mosque in Alexandria, Egypt

البهجة البريئة المقطرة؛ أتشمم عبيرها الآن.. أحاول استعادة إحساسى القديم.. الليلة ليلة عيد.. يقترب الفجر حثيثاً.. أتأمل البخار المتكاثف فوق مياه ترعة المحمودية الرقراق.. أرانى ولداً صغيراً يجرى مع أترابه خلف “على السمرا” المسحراتى فى آخر ليالى رمضان.. وهو ينادى على كل بيوت القرية بالاسم.. يا حاج عربى عتيبة كل سنة وأنت طيب، العيد بكره.. يا سيد يا عطار كل سنة وأنت طيب، العيد بكره.. يا محمد يا عزب كل سنة وأنت طيب، العيد بكره.. وبين كل اسم وآخر ينقر على طبلته تلك النقرات الحبيبة التى لن نسمعها إلا بعد عام كامل.. ونحن خلفه ككورس فى سيمفونية “مهرجلة” لم يتم الإعداد الجيد لها.. نتصايح ونردد: العيد بكره.. العيد بكره.. ونتضارب.. ونتدافع.. ونضحك..

نجرى إلى الساحة أمام المسجد.. نلعب بجوار النخلتين المتعانقتين و”حنفية المياه” التى تملأ منها كل بيوت القرية.. نخلع ملابسنا.. نتقاذف بالمياه المندفعة فى هدأة ليلة العيد كموسيقى ذات وقع حلمى.. نرى “جدو” قادماً فى خطى شاب تعدى الثمانين.. لا يستند على عصا.. العزيمة تملأ جسده النحيف المحنى الأكتاف ووجهه الممصوص ورقبته ...اقرأ المزيد

تلك النظرة

Cairo, Egypt

أتقافز أمام تلك السيدة العجوز مستعطفا إياها من أجل ما تجود به. أمني نفسي أنه سيكون كافيا كي أصل للمبلغ المطلوب. تبحث في حقيبتها بضيق قبل أن تعطيني بضعة عملات معدنية. أخشخش بها بسعادة. ينقصني القليل لأعود للمنزل.

يبرد الجو أكثر، فأكثر. أضم قميصي إلى صدري و أحك ساقاي ببعضهما طلبا للدفء. لدي ملابس ثقيلة في المنزل لكن يحرم علي ارتدائها في العمل. بالله عليك كيف سأستعطف أحدا إذا لم أرتجف بردا؟ أرمق ذلك الشاب و تلك الفتاة. ابتسم بخبث. خجل أول لقاء. يحاول أن يمسك بيدها وهي تتحاشى ذلك متصنعة النظر إلى واجهة إحدى المحلات. هدف ممتاز! اقترب منهم راسما على وجهي أعتى ملامح التعب و العذاب طالبا صدقة بصوت مبحوح. تلك النظرة! ترمقني الفتاة بألم حقيقي . تملؤني مشاعر متناقضة من الشعور بالذنب تجاهها و الشعور بالفخر لأدائي. يرتبك الشاب و يدفع يده في جيب بنطاله وهو يرمقني بتلك النظرة! نظرة تتمايل بين الكراهية و الإحراج و تصنع العطف! أنا لست أحمق! ربما أكون في التاسعة، لكن سنوات عملي في الشارع أكسبتني خبرة ضخمة. ينقدني عملة ورقية فيرقص قلبي.. ...اقرأ المزيد

بلاد الذهب

 Corridor of Sphinxes, Luxor, Karnak, Egypt

ما الذي أراه أمامي! بالتأكيد إنني أحلم … الآن وبعد كل هذه السنوات أعود إلي هذا المكان الذي طالما حلمت أن أتواجد به مجددًا الأقصر … اول ما رايته بالسابق كان طريق الكباش بالاقصر كان علي الجانبين تماثيل رائعة لأسود ثم واصلنا السير داخل معبد الكرنك حتي البحيرة المقدسة.

كانت البحيرة المقدسة من أروع ما رأيت فقد كان يغتسل بها منذ القدم الكهنة قبل الصلاة، ويوجد أمامها جعران عملاق يتبارك به النساء منذ القدم، ويأتي إليه الأجانب حاليًا للدوران والتبارك به، أيضًا لأنه يرمز إلى الحظ والإنجاب … قمت بالدوران حوله مثلما يدورون وانا اضحك بشدة متمنيه الحظ والحب كنت قد ذهبت إلى هذا المكان من قبل ويومها أصبح لدي حلم أن أصبح مرشدة سياحية وأن آتي إلي هذا المكان مجددًا مع فوجًا سياحيًا وها هو الحلم يتحقق أمام عيني …

بعدما أخد الفوج جولته في معبد الكرنك حان موعد رحلتنا النيلية عبر المركب السياحي إلي أسوان او كما تُعرف قديماً “ببلاد الذهب” لأنها كانت تعتبر كنزًا كبيرًا سميت ايضًا قديمًا باسم “سونو” بمعني السوق ...اقرأ المزيد

كُلُّ مَنْ لَهُ نبى يُصَلَّى عَلَيهِ

Saint Catherine's Monastery close to Sharm el Sheikh, Egypt

إِنّهُ فى شِتَاء الْعَامَ 2066 وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحَدِّدَ فى أى يَوْمٌ نَحْنُ، أَكُتُبُ هذة الْكَلِمَاتِ عَلَى ظُهْرِ إحْدَى الْبرديَّاتِ الْمَحْفُوظَةَ هُنَا فى الدَّيْرَ، لَمْ أَجِدُ مَا أَكَتَبَُ عَلِيهِ فأضطررت لِأَكْتُبَ عَلَى ظُهْرِ الْبرديَّةِ، لَا أَسَتَطِيعُ الْاِنْتِظَار، فَلَا أَدَرَى هَلْ سيسعفنى الْوَقْتَ أَمْ لَا؟، كُلَّ مَا أَعرْفُهُ أَنّهُ عَلَى أُنَّ أَكتب الْآنَ، اِجْتِمَاع الرقْمِ سَتْة مرَّتَيْنِ فى عَامَ وَاحِد كَانَ يُنبئنى بِأَنَّ الْأُمُورَ ستنتهى هُنَا، الصَّقِيع مُسَيْطِرٌ عَلَى كُلَّ شى وَالشَّمْسَ تَوَارَتْ خَلْف السُّحُبِ الْكَثِيفَةِ وَكَأَنّهَا تَأْبَى أَنَّ ترى مَا سَيَحْدُثُ وَكَأَنْ ماسيحدث سيؤذيها كَثِيرًا أَو أَنَّهَا تَتَبَرأَ مِنه.

مُنْذُ ثَلَاث سنوَات قَطَعُوا لسانى وَكُلُّ الْمُحَتمِينَ بِالديرِ، مُنْذُ ذلك الحين وَأَنَا أُصلى.. أُصلى كُلُّ يَوْمٍ.. أُصلى كَثِيرًا كَثِيرًا جدًا أكْثَر مِنَ الْمَفْرُوضِ، لَيْسَ خوفًا مِنَ الْمَوْتِ وَالْحسَابِ وَلَيْسَ اِتِّعَاظًا، لَيْسَ أى مِنْ ذَلِكَ، كُلَّ مَا فى الْأَمَر أَنَّى أُرِيدُ أَنْ يُسَمعَ صوتى… صوتى الْمَحْبُوس بداخلى مُذْ فَقدتُ الْقدرة عَلَى إِخْرَاجِهِ، لَا أُصلى فى الْجَامِع الْمَوْجُود فى صُحِن الدير وَلِكِنى أُصلى هُنَاكَ ...اقرأ المزيد

شق الجبانة

Shanway WA Kafr Al Badranah, Ashmoun, Menofia Governorate, Egypt

بنت البندر أرضٌ بور، انقطع حبلها بعد وفاة طفلتها، وزوجها كحبات مطر. يعطيها دمية ابنتها المعطرة، يتحسس خصلات شعرها إلى أن تنام كل ليلة. تتذكر تلك المرة التي التقطت فيها روحها بصعوبة؛ التقط زوجها ثعبان ميت رمته عليها أمه، لأنها متيقنة أن زوجته “مشاهرة”. عندما احتضنت ابنتها تمكن منها اللون الأزرق. قربتها من وجهها وشمت رائحتها، أمسكتها من ذقنها المتيبس. مسحت دموعها من على خد ابنتها… واشتد عويلها حين أخذتها جدتها لتغسلها، قائلة “بنت موت يا عين ستها”.

“أنتِ متشاهرة ولازم تشقّي الجبانة”، مضت عدة شهور ولم تحبل. تلك الكارثة دعتهن لإلقاء ثعبان ميت في حجرها، وقتل كلب في منطقة الجزيرة المهجورة لتمر فوقه… واليوم عليها الذهاب إلى المقابر، لابد أن ترى كفن ابنتها حتى تثمر. وافقت على العرض دون أن تؤمن بتحلل طفلتها، هي شهيدة، ماتت في المشفى المتهالك.

مشت معهم وسط الحقول. رأت خيال المآتة ينعق مع الغربان، ونساء لهن أعين البوم، يرتدين الأسود، وقفت في قلبهن بجلباب أبيض مزين بالتوت. الشمس فوق رؤوسهن، والفراشات فوق “الأناية”، والبوص ...اقرأ المزيد