المَطحَنَةُ

Rio Martin Tanger Tetuan Morocco

انتصب صالح الطَّحَّان أمام باب المَطحنة، متأملا ناظرا إلى ألأفق العابس، الذي أشعل في نفسه شهوة الانتصار. موقنا أن هذا العام قد يكون عام خير وبركات.

واسترحم ربه أن يهب الأرض من ماء السماء وتينع الغلال، فالسحب الداكنة التي كانت تتجمع، كانت تندفع مسرعة نحو القرية وهطل المطر. ورنا إلى السهل الشاسع وقد تحولت البذرة إلى نبتة، تطل من تحت تربة ندية مبللة، ودفق ماء النهر وساح في البراري، وأسعد هذا الأمر الطَّحَّانَ ومطَّ شفتيه واستبشر خيرا.

بدا الطَّحَّان سعيدا متفائلا، فمَطحَنة الحبوب ستشتغل هذا العام والحقول ملآ بالغلال، وقد يأتي محصول جيد ويطلب من الطحال خدمات، وعقد صفقات من اجل طحن الحبوب.

وستتحرك مروحة المَطحَنة التي ظلت ساكنة لمدة طويلة، وحيث لم يكن هناك ماء يدفع بها إلى الدوران، وتدور بتلك السرعة التي يمكن من خلالها سحق الغلال والحبوب، وقد مرت سنوات عجاف لا مطر فيها ولا ماء.

وكانت السماء شحيحة، ولم تنفجر مياه العيون ولا تدفق ماء النهر. وما ساحت مياه الجداول التي كانت تنساب في الوديان وقريبة من القرية، وبمطحنة صالح الطَّحَّان، محركة مروحة كبيرة تمد المَطحَنة بقوة الدوران.

واستعان الطَّحَّان ببغال مدربة على الدوران، لكنها كانت تحتاج لعلف متنوع، ولم يكن الحصول على كمية منه ممكنا، وحيث يجب السفر إلى قرى مجاورة أو أسواق بعيدة، وفرت أعلافا باهظة الثمن.

ولم يكن لصالح مال مدخر، ولم يجد من يقرضه، ولما شاهد تلك السحب وهو أمام باب المطحنة، انفرجت أسارير وجهه وانبسطت، آملا أن يعوض شح السنين البائدة.

ولما هطلت الأمطار تحدث الناس عن مَطحَنة صالح، وأمل كل فرد في عقد صفقة كي تطحن غلاله في مَطحَنة الطَّحَّان، وفي موسم الحصاد كان الطَّحَّان قد استعد لطحن حبوب كل فرد سبق له أن عقد مع الطَّحَّان اتفاقا، واستخدم لديه غلامين فتيين قويا البنية، يصغر أحدهما الآخر بخمس سنوات.

وعمل الصبيان بهمة ونشاط لا ينكسران، واستقبل الفتى الصغير زبائن المَطحَنة ببشاشة صبي ودود، بينما انهمك الذي يكبره في صب الحبوب في قلب الرحى، ثم جمعه في شكائر تملأ وتخاط وقد حوت طحينا صالحا للاستعمال.

وكانت المياه المتدفقة داخل المَطحَنة تدفع بحجرتا الرحى كي تدوس إحداهما على الأخرى، وتسحقان حبوب الزرع والذرة، وكانتا تصدران معا قعقعة تكاد تُسمع من خارج المَطحَنة.

وجلس الطَّحَّان قرب باب المَطحَنة، يدندن بأغنية شجية قديمة، يكاد إيقاعها يساير قعقعة حجرا المطحنة، مادا بصره الحاد، ولم يكن الآن ينظر إلى الحقول التي كان لون حشيشها أصفرا متيبسا، وإنما إلى مروحة المَطحَنة التي كانت تدور مسرعة، فتحدث في نفس الطَّحَّان نشوة وفرحا لا يقاومان.

 

بقلم المؤلف محمد بروحو

اختر مغامرتك

من دون ماء،

أ) لا حبوب.

ب) لا ابتسامة.