جبَّانة الذكريات

El Shatby Historic Cemeteries, Alexandria, Egypt

جولة. المشي يريح. ومهبط الوحي الذي نسجتُ فيه أطيب أشعاري يرحِّب بسَحْبِ حواجز أتراح الحياة عن روحي. جولة. المشي رفيقٌ وطبيب. رمال الموقع الأثري تحمل في تلبُّدِها آثارًا من مطرٍ قريب. الدائرة التي قوامها أعمدة بيضاء متباينة الأطوال على كلٍّ منها أرقام كُتبت بطلاء أسود مشوِّه (24 – 21 – 125 -…) تُحدِق بتمثالٍ (يحمل رقم 129!) يرتكز على قاعدةٍ حجريةٍ مربَّعة. تمثال لكِيانين بشريين متعانقين يرتديان الهيماتيون، وعناقهما حزين، يبثُّ الأسى والقنوط، وتملأ المساحة ما بين التمثال والأعمدة نباتات خرزية الأوراق متشابكة، لا ترتفع عن الأرض إلَّا سنتيمترات قليلة، لونها أخضر غامق. جولة. المشي دواءٌ للمهموم. الجبَّانة تُطلُّ عليَّ بعيونها التسع، وذراعيها اللتين في باطن كلٍّ منهما تسعة أعينٍ أُخَر. استدرتُ. مشيتُ. عينٌ منحوتة تُشبه بئرًا أو إناءً للزهور. نحت مستدير يُشبه قمَّة عمود. بل هو قمَّة عمود، ولكن الزمن جار عليه! أبو الهول مفصول الرأس. أعشق كل شبرٍ من هذه المقابر العبقرية.
توغلتُ في المكان المفعم بأصالة القرون حتى انتهيتُ إلى أجمل أثرين بمقابر الشاطبي الأثرية. منضدة رخامية ثُمانيَّة الأضلاع، في لون الرباب المحلِّق في الأفق الأزرق الذي يمسُّ البحر الذي بيني وبينه شارع ...اقرأ المزيد

أصداء الحنين

Meniet El Morshed, Egypt

كلما وصلت في نزهتي اليومية إلى عزبة الملح ، القريبة من قريتي منية المرشد، تتوالى دقات قلبي كأنها إيقاع لحن جنائزي .
في مدخلها لازالت أطلال مملكة الحاج محمد عطية ، تحكى قصتها الجميلة ، التي استغرقت ما يربو عن نصف قرن .
لم يتبق من الدكان والظلة سوى أخشاب وأحجار ، توشك أن تختفي في جوف العدم .
هنا كانت محطة للتسوق والراحة من وهج الشمس وقر الشتاء ، يجلس بين روادها الحاج محمد مرتديا ثوبه الأبيض الذي لا يصيبه أدنى أذى ، رغم تعامله مع البقالة والعطارة والخضروات ، ويعتمر طاقية من نفس القماش.
يجذب من قلبه الطيب ابتسامة واسعة مع مولد الصباح ، يظل محتفظا بها ليوزعها على الجميع .
يأتي الرجال من العزب المتناثرة ، فتدور أحاديث حميمة عن السياسة والزراعة والطرائف والمشكلات والأشواق والمعجزات والأوجاع والفشل والموت .
خارج المحل كانت تقف- بصبر- ثلاجة بدائية من الخشب مكتوب عليها : اشرب كوكاكولا ، ممتلئة بالزجاجات المغطاة بالثلج .
عندما يندفع الصهد إلى أعلى حلوقهم ، يتناولون المفتاح الحديدي المعلق بخيط في الثلاجة .
يرتفع صوت فتح الزجاجة كالطلقة ، قبل أن تفور وتتبخر ...اقرأ المزيد

العودة

Helwan, Egypt

كم يوما قد مر منذ ان عادت الى هنا؟ .. لا يهم فهى لاتتذكر سوى الغياب عنه والذى استمر 15 عاما، تبدل فيها الحال من طفلة مقيدة بضفائر وملايين الهواجس والمخاوف بعضها مستمد من عقل نقى لم يصطدم بتناقضات وقسوة الواقع وبعضها أشعلته أجواء مضطربة سيطرت على تلك الفترة .. الى شابة يافعة

لم تكن تجد انطلاقها سوى فى ركض سريع او فستان قصير تملص من رقابة أمها وحرصها على ألا تبدو فتاة أو لنقل ألا تشعر بذلك .. اكان ذلك خوفا عليها أم منها؟ .. سؤال أخر لا يعنيها فى شيْ، فكيانها تشكل بفضل تلك الأسئلة التى لم يجاب عليها واعتادت ألا تبحث عن اجابات وترك المساحة لأى احتمال.

أو دعنا نتركها فارغة للأبد.
ونكتفى باختزان الأسئلة حتى …
متى؟!

أتكمن النهاية فعلا فى الموت أم أن الاسئلة ستظل مؤرقة للروح بعد فناء الجسد؟ .. ربما ان كانت تلك الروح متخمة بالأثام سيظل الأرق ممتدا وعالقا بها.

نفس الافكار اكتنفتها قبل أعوام فى نفس المكان وان كانت خالية من العمق والتكلف فى الطرح لكن شبحها كان حاضرا بقوة داخل خلايا العقل، لا تريد أن تسترجع ما كان هنا ولا أن تستوعب أنها عادت الى هنا ..فقط تريد للايام أن تمر حتى تصطدم بشىء جديد ...اقرأ المزيد

الإنسانية بين طيات التاريخ

Mosque at Al Moez Street, Cairo, Egypt

تتميز لمى ذات التسع سنوات بالذكاء و الفضول الذى يثرى ثقافتها و معرفتها فى سنها الصغير. فى فترة قصيرة تكررت أمام الطفلة المصرية كلمة الإنسانية، لتسمعها من خلال التليفزيون عندما تشاهد برامج تليفزيونية دينية تسمع عن الإنسانية فى التعامل، أو الإنسانية فيما تجلبه المنظمات غير الحكومية من خير للمجتمع، و لتقرأ على “الفيس بوك” عن اللإنسانية من قتل داعش للناس بهدف إقامة الدولة الإسلامية. كل هذا رسخ فى ذهنها كلمة الإنسانية و عكسها، فعلمت أن الإنسانية هى شئ جيد فهل معناه مساعدة الناس و الإحسان فقط أم يشتمل معناها أكثر من ذلك؟

كان الوقت قبل المغرب، عندما فكرت لمى فى معنى الإنسانية فذهبت لمى مسرعة إلى والدتها و سألتها: هل يمكنك يا أمى أن تقولى لى، ما معنى الإنسانية فى بضعة كلمات؟، ردت الأم بإبتسامة: أنت من سيعرف معنى الإنسانية حيث إنها فى طيات التاريخ حيث تتصف بلدنا بالإنسانية منذ زمن بعيد، هيا نذهب إلى شارع المعز فى القاهرة الفاطمية و هو شارع من الشوارع التراثية المفتوحة للناس و هو أفضل مثل للإنسانية التاريخية الخالدة، حيث أن تأملك للناس سيؤهلك لمعرفة المعنى المراد، فهناك ستشعرين بمعنى الإنسانية و الروحانية التى بدأنا فى إفتقادها.

شعرت لمى بجمال و روحانية ...اقرأ المزيد

المبنى الأصفر

1-4

لا يزال كما هو، رغم أن صفرة الجدران قد أصبحت قاتمة من تراكم الأتربة، إلا أن ما يحسب لهذا اللون هو صموده كل هذه السنين ….

وقفتُ أمام المدرسة، رحتُ أتذكر، تذكرت كل شيء، عندما قمت بالتحويل إلى هذه المدرسة، بعد محاولات مستميتة لإبقائي في المدرسة التي بنيت حديثاً بالقرب من منزلنا، محاولات مستميتة من الجميع، حتى الحكومة، حاولت إبعادي عن مدرستي الحبيبة هذه، فرضت على كل شخص القيد في المدرسة التابعة لمنطقة سكنه. وهكذا تم نقلنا إلى المدرسة الجديدة، بعد أن أمضينا عاماً هنا.

ورغم أن المدرسة الجديدة وسط القرية، وتحيط بها الأشجار والنخيل من كل جانب، إلا أنها من الداخل تبدو كصحراء جرداء، لا ورود، لا أشجار، لا عصافير، فقط ملعب تغطيه رمال صفراء يحده سور أنيق، وجديد لكنه بلا روح.

أما هذه المدرسة القديمة، الحبيبة، ذات الجدران الصفراء الكابية، فتقع فريسة وسط غابة من العمارات والأبنية الخرسانية في قلب المدينة، إلا أنها من الداخل تبدو كواحة خضراء، بها حديقة غناء تحوي مختلف أنواع الأزهار الملونة والنباتات الرقيقة، كنا نستمتع بالجلوس على مقاعدها الخشبية في حصة الزراعة، وفي حصة التربية الرياضية كنا نستمتع باللعب في ملعبها المزروع بالنجيلة الخضراء والمحاط بأشجار الكافور الشاهقة التي تمت زراعتها منذ إنشاء المدرسة.

عندما توجهت للناظر طالباً أن ...اقرأ المزيد

القصر

Faculty of Veterinary, Idfina, Egypt

هل جربت يوما أن تحيا حياة الملوك؟ أعلم أن ذلك يبدو من أول وهلة كأنه حلم طفولي لطفل رأى قصصا كرتونيه عن الأمير الوسيم الذى تزوج البنت الجميلة وأخذها على فرسه الأبيض، ولكن هناك من عاش هذا الإحساس ولو للحظات، هناك فى القصر الملكى فى إدفينا حيث قصر من قصور الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان حتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضى.

كانت تملؤنى أحلام وخيالات عظيمة وأنا طفل صغير أثناء زيارتى لأهل أمى فى إدفينا عن ذلك القصر الذى تحول إلى كلية للطب البيطرى. وكيف كنت أتخيل القصر من الداخل بأروقته وساحاته حتى أننى تخيلت للحظة بأن به كنوزًا مدفونة وحلمت كأى طفل بأننى سأكون ذلك البطل الذى يعثر على هذا الكنز.
اصطحبنى خالى وهو يعمل موظفا فى هذه الكلية أقصد القصر، ووقعت عينى على أول مشهد، تلك البوابة التى تقع فى ناحية بيوت الأهالى ومنها يبدو طريق محاذٍ للنيل ملئ بالأشجار، وأخذ قلبى ينبض فرحا وأنا أشعر أنى أمشى فى طريق مشى عليه يوما ملك، ملك حقيقى. ثم بعد عدة خطوات ظهر القصر، لم يكن فى البداية كما تخيلته ولكنه كان مهيبا ويبدو عليه أثر السنين وما مر عليه من أحداث وكأنه عروس جميل يبدو عليها أثر ...اقرأ المزيد

المزرعة.. حيث سكينة الروح

Farm at Ad DIlinjat, Buheira, Egypt

بداخل كل منا روح تميزه عن غيره لها ما يسعدها، يملؤها بالراحة والأمان، يمنحها سكينة خاصة، ما يملأ روحي بالسكينة ويشرح صدري هو رؤية الزرع الأخضر بكل أنواعه ودرجاته ومراحل نموه، الأشجار وظلالها، النخيل وشموخه، تمنحني تلك الأشياء مع اقترانها بحالة من الهدوء وبعض الزهور الجميلة راحة وهدوء وطاقة إيجابية تجعل قدرتي علي العطاء والتفاعل مع الحياة في أعلي الدرجات.

قمت بشراء مزرعة في منطقة صحراوية تم استصلاحها وزرعها برتقال صيفي وليمون، وعندما تعرض صديق لي لأزمة صحية؛ وبعد أن تعافي منها، دعوته هو وأسرته وعددًا من الأصدقاء لقضاء يوم في تلك المزرعة، وذهبت إليها أكثر من مرة للتجهيز، فاستطلعت المكان وعرفت تضاريسه، حيث عرفت أن له مدخلين، أحدهما يؤدي إلي ممر (مشاية) بين الأشجار حتى منتصفها حيث توجد ماكينة الري، وبجانب البئر الذي تسحب منه الماكينة المياه شجرة توت، ويضيق الممر بين الأشجار حتي نهاية المزرعة، والمدخل الثاني يؤدي إلي عدة مبانٍ، مظلل بشجر العنب المتسلق علي أسلاك مثبتة علي أخشاب قائمة في الجانبين، فتمر السيارة من تحته، وعلي يمين المدخل تم عمل قاعدة مستديرة تعلو الأرض، مظللة بأشجار لها زهور متعددة الألوان ومتسلقة علي أخشاب محيطة ...اقرأ المزيد

تسعة شارع الأمل

Cairo Egypt

الساعة تقترب من الرابعة صباحا، و أنا في سريري لا أستطيع النوم. أعاني من حالة أرق غريبة، نادرا ما كانت تصيبني. السرير، بالرغم من أنه مكاني المفضل، إلا أنه و فجأة، أصبح ضيقا و غير مريح بالمرة. خرجت من الغرفة و اتجهت للتراس الواسع لعل الهواء يساعدني قليلا لتجاوز هذه الحالة المؤلمة، من الأرق و القلق.

هدوء رائع جذاب، لا تقاطعه إلا أصوات السيارات التي تمر كل فين و فين من شارعي أو من الشوارع المجاورة. هذا الشارع، و هذه الصورة، انطبعت في ذاكرتي، فأنا أرى هذا المكان منذ وعيت و منذ تعلمت الإدراك. هذا الشارع و هذا المكان شهد على كثير من أحداث حياتي، الصعبة، القاسية، و الجميلة أحيانا.

تركت الماء ليغلي، لأشرب كوب منعش من الشاي، الذي أضيف إليه ثلاث حبات من القرنفل و ملعقة عسل. أخذت فنجان الشاي، و عدت للتراس. لماذا لا أنام، فالكل ينام، و يستغرق في النوم و يرتاح. بماذا أفكر، و ما هو هذا الشئ الذي قرر أن يسلبني راحتي بكل قسوة. الهواء أنقى من أي وقت، و السماء صافية على غير العادة.

قد لا أكون على استعداد للإعتراف بما يجول في خاطري بكل حرية و بكل صدق، و ...اقرأ المزيد

حنين وذكريات

desouk kafr ibrahim Egypt

عدت لتوى من سفرى للخارج ..كم اشتقت كثيرا لبلدتى الصغيره …اصبح كل شىء فيها اكثر بهجه من ذى قبل… الاشجار العاليه واغصانها اليافعه…وعصافيرها الرائعه المغردة ..ولا احدثكم عن هوائها النقى فهو بحد ذاته علاج كبير لكثير من الامراض..كانت اجمل ايام شبابى فى تلك البلده الصغيره..حنين وذكريات كثيره لم تهدأ ثورتها ابدا بداخلى …لم يعكر صفو اجازتى سوى مرض امى الحبيبه..وبحكم عملى كطبيب شاب اوليتها كل اهتمام ورعاية من الممكن ان تحصل عليهم فى بلده صغيره كبلدتنا…لم يكن مرض امى خطيرا وانما مجرد ارهاق صغير..ولكن لهفه الابن المشتاق ولوعة قلبه كانت هى من تزيد المرض فى عيناى.. اهى تلك النهايه ياامى …

كل يوم اتنزه قليلا على ضفاف نهر بلدتنا الصغير .. الهو مع كل شىء طبيعى من حولى..مياه كانت او عصافير صغيره او اطفال يلهون بكل براءه وحب…مخطىء من ظن انى عدت لبلدتى كى اعطيها شىء … فعلى عكس الواقع انا من احتاج الى ان أخذ منها وأخذ منها الكثير والكثير والكثير …إشتد مرض امى وقد ادركت انها النهايه التى كنت اخشاها .. لم يكن لى غيرها ولم يكن لها غيرى … فانا غير متزوج .. وابى رحمه الله كان ...اقرأ المزيد

كـــاره الحيـــاة

Puente Qasr al-Nil, El Cairo

مصطفى شاب تجاوزالعشرينات من عمره ..خريج احدى الكليات..ارتبط منذ سنوات دراسته الاولى بزميلته هيام .. وما لبث ان تخرج حتى حول علاقتهما الى علاقه رسميه.. فقد تقدم الى خطبتها من والدها الموظف المرموق الذى لم يرحب بالفكره خاصة وان مصطفى لم يعمل بعد ..الا انه امام اصرار ابنته لم يجد بدا من الموافقه
مرت شهور .. ولم يتغير الحال.. يبحث عن عمل مناسب لكن دون جدوى..
ذات ليله ممطره استقبل هاتفه المحمول مكالمه من حبيبته..اخبرته ان والدها يريد فسخ خطبتهما..واخبرته انها ستضطر لقبول رأى والدها بعدما ضاق بيها الخناق..
اصيب مصطفى بمزيج من الذهول وخيبه الامل..حبيبته هى الوحيده التى كانت تسرى عنه وتشد من أزره..ستذهب ولن يعد لها وجود ..شعر ان حياته لم تعد لها قيمه وراودته فكره التخلص منها..ولم تلبث ان تحولت فكرته الى قرار!
خرج من بيته..لم يكن الوقت بالمتأخر ولكن هطول الامطار ساعدت على خلو الشوارع من الماره..استقر به الحال اعلى كوبرى يطل على نيل مصر الساحر.. تردد لحظه..ونظر حوله وكانما يتأكد ان لا احد يراقبه .. ثم اتخذ قراره وألقى بنفسه من اعلى الكوبرى..
-لا حول ولاقوه الا بالله

-اسرعوا بالاسعاف

تلك هى الاصوات التى تناهت الى مسامعه وهو نائم فاقد الوعى ...اقرأ المزيد