الطلقة ما قبل الأخيرة

Aleppo, Syria

كان محتمياً بما تبقى من ركام المنزل , عيناه تحدقان في المدى المرسوم أمامه تترقبان أي حركة تثير الدهشة كانتا كلما لاح شيء في هذا الأفق تزداد أحداقه لمعاناً , يتربص الوقت منتظراً اللحظة المناسبة مثل الصقر تماماً عندما يريد الصيد لا يشغله شاغل عن فريسته , يحبس أنفاسه ويرصد عدد الثواني بين الشهيق والزفير , يستطيع أن يرسم سداً عاتياً من التركيز أمام سيل الأفكار التي ترتطم بجدار مخيلته بين الفينة و الأخرى , في هكذا لحظات يستطيع أن يشتلع قلبه من بين أضلاعه فلا يكاد نبضه يُسمع وحتى تلك الخفقات التي تبقيه على قيد الحياة لا تسطيع أن تمنحه البقاء على قيد الإنسانية , لم يستطع أن يبعد فكرة الموت عن مخيلته فهي الوحيدة التي تنجح مراراً وتكراراً بأن تخترق جدار التركيز الذي بناه , قي تلك اللحظات يرتسم في ذهنه مشهد النهاية هل هي من رصاصة طائشة متهورة أو من شظايا قذيفة ,كانت هذه المشاهد تداهم مخيلته تجعله رهينة كل لحظة التي يعتبرها هي الأخيرة .

ماهي إلا بضع ثواني يتسلل إلى مسمعه صوت هدير يقترب شيئاً فشيئاً , يبتلع لعابه بكثير من الحذر ينصت إلى صوت اللعاب ...اقرأ المزيد

نِهَايَةُ مدينة.. نِهَايَةُ سَعْدَة

وصل إلى المرحلة النهائية للمسابقة الأدبية “ألفا ليلة وصحوة”

إدلب التي كانت عروس التين والزيتون في الشمال السوري، باتت أَرضُها دَوَّامةَ فوضى، وَسَماؤُها مظلَّةَ طائراتٍ قاتلة.

والآن.. كما يَنْسَلُّ نورٌ خائِفٌ من فُرجةِ البابِ إلى غرفةٍ ظلماء، يَنْسَلُّ من نفسي أملٌ واهنٌ ألَّا تكون نهاية مدينتي الخضراء كنهاية سَعْدَة؛ مؤلمة، غامضة.

سَعْدَة امرأة شارفت على الستين، لا يعرف أحد أصلها، لكنها كانت نقطة علاَّم في خارطة الناس في مدينتنا إدلب.

وجهها متعدد التضاريس، كأنه القمر كما يُرى بالمنظار الفلكي.

تغطي رأسها بخرقة كالحة، من أطرافها تطل خصلات شعرها الأشيب الذي لم يعرف المشط يوماً.

كانت تعتني بما يزيد على الخمسين قطاً، وهي في الوقت ذاته لا تملك إلا خربة صغيرة.

عندما تحصل على بعض المال كانت تدسه في صدرها، ولا أحد يعلم بعد ذلك أين تذهب به، لكن التخمينات كثرت عندما هدمت جرَّافة البلدية خربتها من أجل إنشاء بناء جديد، يومها كانت سَعْدَة غائبة في إحدى جولاتها، تجمهر الناس لمراقبة المشهد المؤلم لقططها المذعورة، هجمت الجرَّافة على الخربة كما يهجم النمر على فريسته، تحطمت الجدران الواهنة بضربة واحدة، تناثرت النقود، اندفع الناس بجشع وتعاركوا.

في ذلك المساء وقفت حزينة على الأطلال مع كتل الفرو البائسة، للمرة الأولى رأى العابرون ...اقرأ المزيد

ساحة الزلزال

وصل إلى المرحلة النهائية للمسابقة الأدبية “ألفا ليلة وصحوة”

تسكننا الأمكنة وتعشش في روحنا، نسجل فيها ذكرياتنا وتسجلنا كمشاهدي السينما على كوة قطع التذاكر، وعندما نرحل عنها، نرحل تاركين نتفاً من روحنا هنا وهناك. يمر الزمان و يحدث أن نعود ذات يوم لنراها سجلت ذكريات أخرى لعابرين آخرين.

نظرت إلى الساحة وقلت لنفسي الحمد لله أن جدي وجدتي رحلا قبل هذه الحرب الملعونة. الفوضى والحجارة المهدمة يملآن المكان….كل ما في الساحة رمادي اللون، حتى أخضرها رمادي، غطى الأسود بقايا الجدران. غص قلبي عندما تذكرت ما كتب صديقي على الجدار بخط عريض ” لو كان ذنبي أن حبك سيدي، فكل ليالي العاشقين ذنوب” لتبقى شاهداً على حبه لبنت الجيران.

في تلك الساحة التي تقع على مرمى عيني بيت جدي تماما. جدي وجدتي على المقعد الخشبي الطويل المغطى ببساط ملون منسوج من أقمشة بقايا ثياب العائلة. (لهذا البساط رائحة الأولاد). قالت جدتي وهي تروي أصص الحبق -الذي تصعد رائحته إلى رأسي كلما ذكرتها-.

يراقبني جدي أنظر لعناقيد العنب المتدلية فوق رأسي فيقول: (كل عنقود يصل إليه رأسك هو لك) ثم يضحك ضحكة مجلجلة تشبه ضحكة الله وكان أقرب العناقيد حينها يبعد متراً عن رأسي.

تغطي الساحة شجرة مشمش مصابة ...اقرأ المزيد

الرحي

Kobani Syria

اطحني الحَبْ أیتھا الرَحَي
اطحني أیتھا الرَحَي آلامنا الجسیمة
لسنا واحداً أو اثنین
نحن آلاف الألوف، ولكن..
في أربعة أماكن منقسمون”
******
في بُقعةٍ أحكم علیھا المَوت قبضتھ وحاصرتھا رائِحتَھ من كل ناحیة كانت الحَسْنَاء
الكُردِیة تتوسد تَلَّة صغیرة ضمن مَھام وحدَتھا حراستھا والذود عنھا قُبیل مدینة
“كوباني”
مُتشبثةً ببندقیتِھا الآلیة وغنائِھا، عكفت “بیریفان” تُدندِن بكَلمات أغنیة “الرحي”
عسي أن تطرد الفزعَ والیأسَ اللذین ینھبان أرضَھا
بدا الظلام في ھذه اللیلةِ الغَطشاء سرمدیاً بلاانتھاء، لینزوي أملُھا في أن تمحق
سوادَھا شمسُ النھار، فلم تبزغ غیر شموس الانفجارات وألسنةِ اللھب
حتي الصمت الذي یتخلل فترات القصفِ فھو مُریب مُوحِش لا یوازیھ إلا وَحشة
قُلوب الدواعش
مِسكینة ..ربما لو كانت لھا قصةُ أخري لأصَبحت من نَجماتِ السینما أو مَلِكات
الجمال
ولما لا؟ وھي ذات الوجھ الملائكي و العینین العسلیتین النجلاوین اللاتي تأسران
قلوب أشد الرجال
لكنھ خیارَھا ..أن تُقتل دون قومھا.. مُقاتلة من البشمرجة.. واحدة من اللذین
لایھابون المَوت
وبالرغم من قسوة الاختیار لم تذھلْ عن أن تعني بمواطنِ أُنوثتِھا ، فضَفَّرت
خصلات شعرِھا النحاسي في جدیلةٍ واحدةٍ كسنبلة فرنسیة
ركضت “بیرینا” نحو تلةٍ أخري وسُیول الرَصاص تتدافع مِنْ حولھا فتَلطخ
حذائُھا رغماً عنھا بدماءِ ...اقرأ المزيد

القَادِمُ مِن السَّمَاء

bab_sharqi_damascus

كَم كانَت تلكَ اللَّيلةُ مُدلهِمَّةَ الظَّلَامِ والشَّرِّ، وسط ساحة ذلكَ الجَامِعِ الكَبِيـرِ، ومع ذلك الأعور الخبيث والّذي كأنَّهُ خرج من قعر زنزانة في الجحيم، لا يقدِرُ عليه أحدٌ من الإنس ينشُرُ الضِّلالَ ويقطع رؤوس الأبرياء وبارعٌ في السِّحرٍ أيَّما براعة والّذي كان قد أعاث الفَسَادَ في الأرضِ ووصلَ إلى ((الليفانت(1)))، هاهنا استفحل اليأس فِي جُزءٍ كبيرٍ من النّاس باستثنائنا وكُنَّا معتكفين بالمسجدِ الكَبير(2) ونحن نرجو الرَّبَّ أن يَمُدّنا بجندٍ من جُنده يقدِرُ على تخليصنا ويفقأ تلكَ العين المتبقية في رأسهِ، وإذ بلجَ رَجلٌ ينزلُ مِن السَّمَاء على شيءٍ يشبهُ المَلاكَ، يضع كفيه على أجنحة ذلك المَلاك الّذي يمتلِئ مسار طريقه إلى تلك المَنارة السَّاحرةِ نورًا وبهاءً على غير مثالٍ سابقٍ، يفوحُ منه ريحٌ يُرعب الضَّالين ويريح المؤمنين، هاهنا ذهبنا راكضين إلى تلك المنارة لنرى مَن هذا يا تُرى؟ وقد ازداد إيمانُنا لا إردايًّا بأنَّ مَن يطلب الخيرَ بصدقٍ ستساعده السَّماءُ دومًا من حيث لا يحتسب، ركضنا وركضنا ونحن نأمل أنْ لا يعترضَ طريقنا ذلك الأعور أو أحد أشياعه الّذن ملؤوا الأرض ظُلمًا وفسادًا، فعندما وصلنـا لتلك المَنارة ودخلنا دون طرقٍ على الأبواب وجدنا ذلك الرّجل ذو الوجه المُنيِرِ ...اقرأ المزيد

فتوش

img_0170-2

“أي تشابه بين هذه القصة والواقع مقصود للغاية ! ”

1

زارني دياب في المنام، وطلب أن أعد له صحن فتوش، فاتصلت بأم سامي، لتساعدني بإعداد هذا الطبق.

2

بدأت المرأتان بإعداد الفتوش للشاب الذي مات قبل شهرين، في مساء ذلك اليوم كتبت أم سامي على حائطها الفيسبوكي:”أفكر بالضيوف الكثيرين الذين نعد لهم موائد وأغاني ورقصات قلب ولكنهم لا يأتون، بل يؤكدون غيابهم القاسي. تذكرت اليوم ملامح القصائد التي قرأتها عن الغياب والحضور، ثم انهمكت في إعداد الفتوش لدياب الذي لم ألتق به… أعرف كيف قتل، وأعرف ملامحه من خلال صورتين إحداهما معلقة على حائط بيته والثانية يحتفظ بها ابني سامي”.

3

سمت بكرها سامي تيمناً بأخيها الذي نقل إلى سجن تدمر الصحراوي في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي، تَخيّلَت مراراً سامي الكبير وهو يرفع سامي الصغير عن الأرض، ويأخذه في جولة في الحارة، وفي عام 1998 (بعد مضي أربعة عشر عاماً وأربعة أشهر وثلاثة أيام على اعتقال سامي الكبير) جاء من يمحو أي أمل بقوله: “العمر ألكن” …
مات سامي بلا جنازة ولا كفن ولا قبر ولا تاريخ محدد ولا شاهدة ولا نظرة وداع . تجمعوا يومها في مجلس عزاء صغير، ...اقرأ المزيد

بطل المدينة

1074424_10203248374629114_744899830_o

منذ لقائي الأول بهذه المدينة، وأنا أحلم بأن أكون بطلاً في عينيها، ولو لمرة واحدة، شاهدت فيها صغاراً يتناوبون على طفل نحيل حاول المرور بجانبهم وهم يلعبون، وشاهدت كباراً يتشاجرون، وقرر أحدهم؛ وهو ذو كرش كبير أن يحل الشجار بينهم، تعالى الصراخ، واصطدم رأس رجل بالرصيف، ثم اختفت ملامحه بين الأرجل، وارتفعت الأصوات: يا حرامي…. يا ابن الحرام، ومع وصول الدم إلى الأرض توحدت الأصوات: يا عيني عليك يا بطل….

في السوق أمسك بي أحد الباعة، وقرر أن البلوزة الوحيدة المتبقية عنده تناسب جسمي تماماً، ألبسني إياها، ثم رسم حولي دائرة محيطها نظراته، وأنا مركزها، وبعد أن أفسدت تلك البلوزة السهرة الأولى لها معي قرر أبي بألا أذهب إلى السوق إلا برفقة أحد إخوتي.

عند المخبز؛ شعرت وكأن كل سكان الحي قد تجمعوا هناك، كانوا يتدافعون، ويتنافرون، وعندما لطم صاحب المخبز أحد الأولاد على خده أدركت أنني أواجه أصعب امتحان للشجاعة في حياتي.

وقفت في الطابور النظامي الذي تحرك بمعدل شخصين على الأكثر في كل ساعة، ونفد الخبز، وعدت مهزوماً، وهذا ما عرضني للعقوبة، والتوبيخ الشديد في البيت، والأسوأ من كل ذلك كانت مقارنتي بابن الجيران الذي يصغرني بعامين؛ لكنه حصل ...اقرأ المزيد

ساحة للذاكرة

نال المركز الثاني في المسابقة الأدبية “ألف ليلة وصحوة”

bafc5496-c07e-4683-a815-0d6c139aa583

لم أكن أعلم أن الباص سيمر من ساحة العباسيين. كنت قد حاولت طوال السنتين الماضيتين أن أتجنب المرور من هنا، ولكن السائق العجوز كان قد قرر المرور من الساحة غير عابئ بقلق الركّاب من المرور في هذه المنطقة الملاصقة لخطوط الجبهة.
اقترب الباص من مدخل الساحة من جهة حي الزبلطاني، ومرّ بجانب إطارات مطاطية كبيرة مرمية على جانب الطريق. لم أستطع في تلك اللحظة، وعلى الرغم من توتّري، أن أكبح سيل الذكريات الذي تدفّق في رأسي. انعطفنا يميناً أمام الملعب الكبير المسمّى باسم الساحة “ملعب العباسيين الدولي”. أمام هذا الملعب قضيت ساعات كاملة في السنين القريبة الماضية وأنا أنتظر أية وسيلة مواصلات تقلني إلى بيتي في بداية غوطة دمشق الشرقية.
يومها لم نكن نسميها الغوطة الشرقية. كنّا نسميها باسم المناطق. جوبر، زملكا، عربين.. أو أي منطقة أخرى. المهم أنني كنت أنتظر هنا، في حرقة الشمس، أو في الساعات الأخيرة من الليل، وأنا خائف من التأخر على المنزل، ومن الخناقة التي تنتظرني. فيما بعد، وقبيل نزوحنا من المنزل، جاء اختراع الهاتف النقّال وحلّ كل هذه المشاكل.
تحسّست هاتفي النقّال ونحن ننعطف مقتربين من مركز الساحة. كانت ...اقرأ المزيد